التحول عن الدولار كعملة لتسعير النفط

|


لقد تحدثت منذ أكثر من عام عن المشكلات التي يواجهها الدولار، فالرغبة في الدولار لم تعد اليوم كما كانت منذ منتصف القرن الماضي، لقد شب العالم عن الطوق، وانتهت الآثار الاقتصادية للحرب العالمة والباردة، لم تعد المنتجات الأمريكية محل اهتمام كبير، وهناك اليوم بدائل استراتيجية، لكن يجب الاعتراف أيضا أن الدولار يبقى عملة مهمة فمن يملكها يملك القدرة على شراء إنتاج العالم، فلماذا بقيت هكذا؟ كنت قد أجبت عن هذا السؤال بالعصا الأمريكية الغليظة، فأمريكا ترتكز في دعمها اليوم للدولار على قدرتها على ضمان توفيره وتحويله إلى أي عملة، كما أن العالم "كحكومات ومؤسسات مالية" مدمن على الفائدة الأمريكية، والجميع يرون السندات الأمريكية مستودعا آمنا للثروة، وهذه تدعمها صلابة مؤسسة السياسة النقدية الأمريكية وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي. وإذا أضفنا إلى ذلك أنه لا توجد اليوم عملة يمكنها أن تحل محل الدولار، كعملة ثقة فإن ما نسمعه من وكالات الأنباء حول التحول عن الدولار كعملة لتسعير النفط هي مقولات فيها نظر.
النفط في مقابل الدولار، هذه هي المعادلة التي يجب مناقشتها، فبرميل من النفط يقاس اليوم بنحو 65 دولارا تقريبا في متوسط الأسعار، وهذا يعني أن على الولايات المتحدة أن تصدر في مقابل كل برميل نفط 65 دولارا، فإذا لم تفعل الولايات المتحدة ذلك فإن ما تصدره من دولارات لن يكفي إلا لتغطية التجارة بين ولاياتها فقط وهذا يعني شحا كبيرا في هذه العملة إما في أسواقها أو في العالم وبالتالي التأثير في الأسعار داخليا أو عالميا حتى الذهب والمعادن، وسؤالي لكل من يريد أن يتم تسعير النفط بغير الدولار: هل هناك دولة في العالم تستطيع أن تصدر عملتها بهذه الكميات وتسيطر على حجمها في الوقت نفسه مع دقة السياسية النقدية واستقلالها سياسيا؟ بالطبع يصعب ذلك في الوقت الراهن على الأقل، هناك من يرى الصين قادرة على ذلك أو اليورو كعملة بديلة، لكن الأمر ليس بهذه السهولة.
فقد واجهت الولايات المتحدة تحديات ضخمة جدا مع تنامي الاحتياطيات الدولية من عملة الدولار، واستطاعت أن تتجاوز ذلك بمعادلة الفائدة المركزية السندات والدين الأمريكية الضخم، فالعالم بقدر ما يحاول تضخيم احتياطاته من الدولار "أي يحتفظ بها ولا يعيدها إلى الأسواق العالمية" بقدر ما تغريه الفائدة الأمريكية والعوائد فيقوم بإعادة هذه الدولارات طوعا، وبذلك تحافظ أمريكا على توازن صعب ودقيق وغريب لعملتها في الأسواق العالمية، وبالتالي أسعار الأسهم العالمية وأسعار الذهب وحتى النفط، وهذا ما لا تقدر عليه سوى أمريكا، ذلك أن المخاطر على الفائدة الأمريكية تظل في مستويات الصفر تقريبا Risk free، لهذا يجب على أي عملة قبل أن تزاحم الدولار على تسعير النفط أن تزاحمه كعملة احتياط، وعلى أي دولة أن تقدم للعالم سعر فائدة خاليا من المخاطر كالفائدة الأمريكية، فإذا اقتنع العالم بذلك فيمكن قبول مزاحمتها له في تسعير النفط، وأي مراهنة على غير ذلك هي مراهنة محفوفة بالمخاطر لأي دولة تحاول أن تسعر نفطها بغير الدولار.
لقد حاول اليورو أن يعادل كفة الدولار ويقدم نفسه كعملة احتياط، ونجح إلى حد ما مع ضخامة إنتاج الدول الأعضاء والترتيبات الصارمة لإصدار العملة، والترتيبات السياسية الكثيرة، لكن أثبتت الأحداث الخطيرة بعد الأزمة المالية أن لا أحد يضاهي الدولار في الثبات، لقد كانت ثقة الأسواق بالدولار كبيرة رغم ما تعرض له من ضغط هائل جدا كان سيسحق أي عملة أخرى، بينما كان اليورو في الوقت نفسه يواجه عاصفة اليونان السهلة ويجد صعوبة هائلة في معالجتها وتأكد للعالم أن عملية اتخاذ قرار بشأن توفير الدولار أسهل بكثير من عملية توفير اليورو، وفي الوقت الذي كانت المطابع الأمريكية تعمل ليل نهار لتوفير الدولار كانت مطابع اليورو تنتظر قرارا سياسيا غير مستقل، ونعم قد يبقى اليورو عملة منافسة. لكن عليه ترميم كثير من اجراءات إصداره إذا واجهت أي دولة من دول الاتحاد شحا واضحا، فكيف إذا كان ذلك الشح يعصف بالعالم أجمع وهو ينتظر دول الاتحاد أن تقع ألمانيا؟ وهكذا يمكن قراءة مشكلات اليورو ومعه اليوان الصيني.
قد يقترح قائل أن يتم التسعير بالذهب، وهنا نقول: إن الذهب لم يعد عملة للتسعير، كما أن هناك فرقا بين التبادل بالذهب أو حتى باليوان الصيني والتسعير بهما، فالتسعير لن يحدث ما لم يتم المرور بالدولار، بمعنى أن يتم تسعير الذهب أو اليوان بالدولار ثم تسعير النفط بالذهب، وهذه الخطوات لا معنى لها، ويبقى احتمال أن يتم تسعير النفط بعملة البلد نفسها، وهكذا كل دولة تسعر بعملتها، فالسعودية تسعر نفطها بالريال، والإمارات بالدرهم، وروسيا بالروبل وهكذا حتى تتفتت السوق النفطية، وتتعرض لفشل خطير في إدارتها، فالأسعار لا يمكن مقارنتها، ولن نعرف أين السعر الحقيقي للنفط، وهل ارتفعت الأسعار أم انخفضت، ولهذا لا يمكن القيام بذلك مع بقاء كل المؤسسات الدولية الحالية، وبهذا فإن التسعير العالمي للنفط سيستمر وفقا للدولار حتى تحل المشكلات التقنية في آليات التسعير الحالية وهذا غير وارد في الأفق حاليا، وأي نقاش خارج هذا السياق حديث لن يؤثر في الأسعار ولا في القرارات الدولية.
تبقى مشكلة أساسية وهي تدخل الولايات المتحدة حاليا في قرارات الإنتاج، مع استمرار مطالبات الرئيس الأمريكي بذلك أو تهديداته بفرض ضرائب أو غير ذلك على منتجي النفط، وهنا أقول أولا: إنه يجب الاعتراف أن الولايات المتحدة لاعب أساس في الأسعار العالمية، ولهذا فإن لها تأثيرا يجب قبوله كمخاطر لا مفر منها ويجب علينا تنوع الاقتصاد كي نستطيع التغلب على مثل هذه الضغوط، ثانيا: يجب أن ندرك أن الاقتصاد الأمريكي يعاني كثيرا من المشكلات الاقتصادية الكبرى التي من الواضح جدا صعوبة حلها وفقا لكل النظريات الموجودة حاليا، وأن على أي رئيس للولايات المتحدة يريد البقاء على كرسي الرئاسة تقديم أفضل حلوله للناخبين، والرئيس الحالي يجد في الهيمنة الأمريكية قوة يمكنها حل مشكلاته القائمة بسهولة، فإذا كانت هناك ضغوط في الأسواق النفطية فإن تهديد المنتجين هو الحل السهل، هنا لا حل في مواجهة مثل هذا التعامل سوى الدبلوماسية العريقة وتشجيع تحرير آلية السوق، فالاقتصاد العالمي خير من يعاقب مثل هذا الاتجاه المفرط في الغلو.

إنشرها