التطور الرقمي وربطه بالخطط الاقتصادية

|


يمر العالم بتحولات سريعة جدا، وهناك من يرى أنها الثورة الصناعية الرابعة، على أن هذه التحولات ترتكز أساسا على التطورات الهائلة في قدرة التواصل بين البشر والبشر، وبين البشر والأشياء من حولهم، حتى بلغ التواصل بين الأشياء بعضها بعضا. وقد جاءت هذه الثورة في الاتصالات نتيجة حتمية للتطورات التي شهدها الاندماج بين قطاعي التقنية والاتصالات، فالتطورات في أي جانب تقود إلى مثلها في الجانب الآخر. وعندما نجح قطاع الاتصالات في الوصول إلى بنية الجيل الثالث، كانت التحولات في التقنية من حولنا تتسارع بشكل لافت، حتى وصل الأمر إلى الجيل الرابع، وهو ما دعم بشكل هائل ابتكار الأجهزة التي تتصل بشبكات الإنترنت بسرعة وسهولة، وهو ما أنتج تطبيقات نقلت جودة الحياة بشكل مذهل، فقد مكنت هذه التطبيقات والأجهزة التي تدعمها مع بنية اتصالات الإنترنت القوية من معالجة كثير من القضايا التي كانت عالقة في دوامة الروتين الحكومي أو تعطيل التنمية بسبب الفساد، أو سوء التطبيق للخطط مع ضعف مستويات الرقابة. لقد كان السباق محموما في العقد الماضي حول سرعة تبني هذه التكنولوجيا الحديثة بين دول العالم، وأثبتت الإحصائيات أن الدول التي تبنت بنية اتصالات مميزة، ومكنت التفاعل بين أجهزة الجيل الرابع، وسهلت اتصالات الإنترنت، كانت أكثر حظا في توفير فرص العمل، وفي تخفيض تكلفة التشغيل والصيانة، على أن الأمر لا يخلو من بعض الصعوبات التي تتعلق بالمهارات والتدريب.
لكن الأمور تسير في هذا القرن بشكل مذهل ولا تنتظر أحدا، فقد نقلتنا تجربة الجيل الرابع إلى ما يسمى اليوم "إنترنت الأشياء" IoT، وهي تلك الشبكة من الاتصالات التي تسمح بالتواصل بين الآلات. إن العالم، اليوم، يمر بمرحلة تجاوز الإنسان في تنفيذ الاتصال واتخاذ القرار، وهذا التطور المدهش في الاتصالات يتطلب شبكة مناظرة في التطور تسهل نقل البيانات بين الأجهزة بسرعة هائلة وبكمية ضخمة، فالتقنية التي تقود الأشياء، اليوم، تستطيع مع توافر الاتصالات بشكل جيد من تحليل الملايين من البيانات واتخاذ قرارات حاسمة سريعة بدلا من الإنسان، وهذا يمكن إدراكه مع مراقبة السير على الخطوط، وتنفيذ كثير من الإجراءات لتخفيف الازدحام في الطرق. وأيضا التواصل بين الأجهزة سيسهل مراقبة المرضى في الحالات الدقيقة والحرجة، واتخاذ ما يلزم من قرارات طبية. ومن ذلك أيضا سهولة التعرف على المشكلات قبل وقوعها في الطائرة مع سهولة التواصل بين الطائرة وأجهزتها قبل الهبوط والإقلاع. ولهذا وغيره كثير، فإن السباق في تبني شبكة الجيل الخامس، سيعني مستقبلا مدهشا للاقتصاد والبنى التحتية، ودقة العمل، وجودة الحياة، ما ينعكس على الإنسان ورفاهيته.
في هذا السياق، توقع نائب وزير الاتصالات وتقنية المعلومات إطلاق شبكة الجيل الخامس 5G بنهاية النصف الأول أو مطلع النصف الثاني من العام الجاري، وهذه الشبكة ستسهم في دعم 45 مليون جهاز جديد من أجهزة إنترنت الأشياء، ما يوجد سوقا تتجاوز قيمتها 12 مليار دولار، إضافة إلى توفير نحو 20 ألف وظيفة جديدة في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات بحلول عام 2030. وبعيدا عن القضايا التي يمكن أن يسهم في حلها مفهوم إنترنت الأشياء، فإن أهم تلك القضايا للشأن السعودي - بالذات - هي الحج والعمرة، فالمملكة التي قدمت أفضل النماذج العالمية في إدارة الحشود، توظف اليوم تقنية هائلة من أجل راحة ضيوف الرحمن، فقد تزايد استخدم الاتصالات والإنترنت في الحج بشكل لافت، ليبلغ عدد المكالمة الناجحة محليا ودوليا نحو 23 مليونا، بمعدل نجاح تجاوز 99 في المائة، وبلغ حجم استهلاك البيانات 1280 تيرابايت، وبلغ معدل استهلاك الفرد اليومي للبيانات في مكة المكرمة خلال اليوم التاسع من ذي الحجة 299 ميجابايت، متجاوزا ضعف معدل استهلاك الفرد اليومي العالمي للبيانات البالغ 150 ميجابايت. ولذا، فإن دخول الجيل الخامس وتقنية إنترنت الأشياء الحج، سيحل كثيرا من القضايا التي تتعلق بالازدحام ونقل المرضى، وإيقاف السيارات، وتوزيع وتنقل الحجاج، وغير ذلك، فالمملكة ستكون من أبرز دول العالم في الاستفادة من شبكة الجيل الخامس وما ستثمر عنه من تقنيات جديدة.

إنشرها