نماذج اقتصادية غير مفيدة

|


عندما نحارب التستر الصريح، يتبقى لنا عدد غير محدود من النماذج الأخرى التي لا تعد تسترا بالمعنى التقليدي ولكنها مدمرة للاقتصاد، مثلها مثل التستر. ربما يحرص مالك العمل التجاري على الخوض في عمله بالقدر الذي يجعله يخرج من دائرة التستر، ولكنه فعليا لا يقوم بواجبه المهني تجاريا وأخلاقيا وخدمة للعملاء كما يجب، فيهمل عمله ويعتمد على العاملين ويقصر بحق من يتعامل معه. لخطورة مسألة التستر، خرجت عديد من القوانين والتنظيمات التي تهدف إلى استئصاله، ولكنها تقف عند التستر فقط، ولا تنظر للأعمال التي يقصر فيها المسؤول إداريا، والتي يكابر ملاكها، أو يتأثرون تأثرا كبيرا بافتقارهم لأسس العمل التجاري وأسس التطوير التجاري. الوضع الاقتصادي العام يتغير وتعريف الناس للقيمة يتجدد بشكل غير مسبوق. استمرار ظهور هذه النماذج عديمة القيمة يعني دورة كاملة من التجارب غير المفيدة، يخسر فيها في نهاية الأمر التاجر نفسه، والعملاء، والموردون، والجهة التي تتابع نجاح هذا العمل تنمية للاقتصاد والمجتمع.
الأثر الذي أتحدث عنه أثر متسع، يصل إلى مساهمة هذا النموذج الضعيف في الاقتصاد بشكل مؤقت وغير مستدام. هو يأخذ حيزا لا يستغله بالشكل المطلوب، فيحجز معرضا أو مكتبا، ويأخذ قرضا، ويوظف فريقا، ويحرق أموالا لا تعوض، ويستمر هكذا لسنتين أو ثلاث ثم يختفي. وربما أفلس صاحب العمل بعد هذا فيحاسبه الدائنون ويضيع وقت المحاكم والقضاة، ويحاسب حسابا عسيرا حتى تجمد حساباته ويمنع من السفر وقد يسجن، وتطول المسألة وتتأخر الحقوق وغير ذلك من التبعات التي تنشأ من نية مسبقة في الإهمال أو التجاوز وهذه جريمة. وقد تكون دون نية لإحداث ضرر، فتصبح إهمالا وتفويتا، في كلتا الحالتين يتضرر المجتمع والاقتصاد ضررا لا يمكن تعويضه.
تفاديا لمثل هذه التبعات، هناك عنصران مهمان يشكلان الإعداد المسبق الذي يخفف من نشوء وتطور هذه النماذج غير المفيدة، الأول، الإطار التشريعي الملزم الذي يوجه الملاك ومديري الأعمال نحو الالتزام بأفضل الممارسات، والآخر، تطوير أساليب نقل المعرفة لتصبح مؤثرة وسريعة وملائمة لحالتنا المحلية المتغيرة، حرصا على حيازة أفضل المهارات وأحدث الممارسات. العنصر الأول، يتطلب تشريعات ملائمة على المستوى القطاعي، ومثل هذه التشريعات يجب أن تراعي الظروف الاقتصادية بحيث لا تدفع نحو رفع الأسعار مثلا أو قلة العرض. ويجب أن تقوم على تفاعل إيجابي ومستمر بين اللاعبين في السوق وبين المنظمين دون أن تحدث توافقا غير عادل يضر بمصلحة المستهلك ويؤثر في السوق احتكارا وسيطرة.
العنصر الآخر الذي يسهم في تفادي وجود هذه النماذج يرتبط بنقل المعرفة، أي البرامج الإرشادية والتدريبية التي تمكن القائمين على العمل من تطوير ممارساتهم وأساليبهم بشكل يخدمهم ويخدم المستفيدين من أعمالهم. من الملاحظ أن كفاءة كثير من المؤسسات المحلية متدنية جدا، بل إن بعضهما يقدر على تحقيق الربح دون حتى أن يحتاج إلى أن يحسن من جودة مخرجاته أو يرفع من كفاءة أعماله، وهذا ما يجعله مطمئنا ولكنه واقع خداع، إذ إن توقعات العملاء في تصاعد مستمر وتعريف القيمة كما أشرنا يتغير باستمرار. لذا، طريقة البقاء الوحيدة هي التطور القائم على المعرفة. ولا أبالغ إن قلت، إن استيراد النماذج الناجحة من الخارج – وهو أمر نجح في السابق كثيرا – قد يبدأ في التدهور قريبا كأسلوب رخيص لإعادة الابتكار. إذ إن سقف التوقعات بدأ في الارتفاع، والفراغ الزمني بين خروج المنتج في الخارج ووقت استيراده بدأ يتضاءل مما يضعف من فرصة المستورد بالسبق فيما يعرض. سيستمر الاستيراد لكثير من المنتجات والخدمات ولكنه لن يكون بذات الزخم والقيمة. وهنا تحديدا تتبلور الحاجة إلى أساليب تقديم ومعالجة الأعمال ما يتطلب نقلا سريعا وفعالا للمعرفة.
لو حاولنا تشريح النماذج التي تحتاج إلى نقل المعرفة لوجدنا أن وجود الأعمال في معظم الأعمال المحلية ينتمي إلى ثلاث حزم، أو باقات. الحزمة الأولى وهي الأصغر تمثل القادمين الجدد، رواد الأعمال الصغار والمبتكرين الشجعان الذين لا يزالون غير مؤثرين بعد في معظم القطاعات. الحزمة الثانية وهي الأوسع انتشارا وقد تكون المسيطرة على بعض القطاعات وتشمل التجار التقليديين الذين يديرون أعمالهم بنموذج ناجح ومجرب منذ سنوات يستثمرون فيه ويركزون عليه دون إضافات جوهرية. الحزمة الثالثة تمثل الشركات الكبرى والمجموعات الضخمة التي سمح لها حجمها بوجود فرق خاصة لتطوير الأعمال والبحث والتنويع ما أضفى لديهم حسا استراتيجيا يعالج التحديات التي تحدثنا عنها من الداخل، وهذه الحزمة مسيطرة في بعض القطاعات فقط، مثل الصناعات الثقيلة، وتوجد بشكل خجول في قطاعات أخرى، مثل التدريب. الحزمة الثانية هي أشد هذه الحزم احتياجا لنقل المعرفة المؤثر، لماذا؟ لأن أعمال الحزمة الأولى متعطشة للتعلم بطبيعتها وتعرف كيف تحصل على المعلومة إن احتاجتها والثالثة متمكنة وقوية وتستطيع الوصول إلى ما تريد، بينما الحزمة الثانية التقليدية فهي جاهلة في الغالب بما يحدث خارج إطار نموذج عملها التقليدي، خصوصا من ناحية الممارسات وخيارات التطوير المتاحة.

إنشرها