الاستقرار العالمي والخوف من تباطؤ النمو

|


في الأشهر الماضية برزت مخاطر كثيرة تهدد الاستقرار المالي على الساحة العالمية. ورغم أن هذا الاستقرار لا يزال تحت السيطرة بصورة أو بأخرى، إلا أن مؤشرات تدل على أنه قد يتعرض في فترة زمنية قصيرة لهزات متزايدة، في حين لم يمض على انتهاء تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي نشبت في عام 2008 سوى أشهر. أي أن العالم قد لا يستكمل "احتفالاته" بالخلاص من هذه التداعيات التي ضربت النظام المالي العالمي بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. وفي السنوات التي تلت الأزمة، نجحت بالفعل الحكومات حول العالم في تغيير السلوكيات المالية التي أدت إلى انفجار الأزمة، وهذا يعني أن أي تهديد للاستقرار المالي الحالي، سيضرب حتى الإصلاحات التي اتبعتها الحكومات على مدار عقد كامل.
صندوق النقد الدولي انضم أخيرا إلى مجموعة من المؤسسات العالمية الأخرى بالتحذير من مغبة تعرض النظام المالي للتضعضع، والأسباب معروفة للجميع، ولا سيما إمكانية استفحال الأزمة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتفاقمها (ربما) حتى مع الاتحاد الأوروبي. ناهيك بالطبع عن الآثار التي سيتركها أي خروج لبريطانيا من هذا الاتحاد من دون اتفاق ينظم العلاقة بين الطرفين. وهذه النقطة على وجه الخصوص تخيف ليس أطراف الانفصال البريطاني فقط، بل العالم أجمع، نظرا للترابط المالي بين أوروبا وبقية الساحات العالمية الرئيسة. المشكلة الأساسية هنا، أن أي تدهور مفاجئ لن يكون آنيا، بل ربما يكون له أثر بعيد المدى، وهذا كلام مباشر من صندوق النقد، يؤيده اقتصاديون مستقلون معروفون برصانتهم وسمعتهم.
ولعل أكثر ما يخيف الجهات الاقتصادية الدولية، أن يؤثر التدهور المشار إليه سلبا في صنع القرار الاقتصادي في غالبية الدول. فالقواعد التنظيمية الاحترازية وضعت على مدى عشرة أعوام تقريبا، من أجل عدم تكرار أزمة مشابهة لأزمة 2008. واتخذت الحكومات بالفعل خطوات جريئة أدت إلى تهديد مكانتها الشعبية. لكن الواقع كان يتطلب مثل هذه الإجراءات، وأن تكون مستدامة. ومن هنا تزداد المخاوف من سيطرة التوتر على العلاقات التجارية بين الدول الكبرى على وجه الخصوص. ورغم أن المؤشرات الناتجة عن المفاوضات الأمريكية - الصينية بشأن التجارة، إلا أنه لا توجد ضمانات، حتى الآن على الأقل، بأن هذه المفاوضات يمكن أن تصل إلى الأهداف المنشودة، ما يعني أن المخاطر على النظام المالي العالمي سترتفع.
والخوف الكبير أيضا من أن هذه المخاطر، ستؤثر حتما في معنويات المستثمرين الإيجابية، وفق صندوق النقد، وهذا يعني أن الآثار السلبية ستعم في جميع الاقتصادات، ولا سيما تلك التي تتسم بضعف العوامل الأساسية. إنها نقطة مخيفة بالفعل لمن يريد أن يرى الاستقرار المالي العالمي أكثر تماسكا، في الوقت الذي تم فيه تقليص توقعات النمو العالمي، في ظل تباطؤه على الساحة الدولية ككل. المهم الآن الحفاظ على ما أنتجته الحكومات على مدى عشرة أعوام من قرارات احترازية وإجراءات لتفادي أي كارثة اقتصادية مالية مقبلة. وإذا ما تعرض الاستقرار المالي بالفعل لضربات في المرحلة المقبلة، فإن هذه الحكومات قد تضطر لتغيير بعض السياسات المالية، الأمر الذي سيضع العالم في بؤرة المخاطر مرة أخرى.
وعلى هذا الأساس، لا بد من مراقبة مباشرة ومحكمة لأي إشارات سلبية مستقبلا على النظام المالي العالمي، خصوصا في ظل علاقات مضطربة بين دول كبرى لها تأثيرها القوي في الساحة الدولية.

إنشرها