الاندماج التجاري دفعة أكيدة للاستثمار

|

بتحليل تجارب 180 بلدا على مدار العقود الستة الماضية، خلصنا إلى أن الاندماج التجاري يعطي دفعة أكيدة للاستثمار – في المصانع والآلات وكثير من المجالات الأخرى المنشئة لقدر كبير من الوظائف. وعلى العكس من ذلك، من الواضح أن الحواجز التجارية تضر بالاستثمار والتوظيف. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة حاليا، في وقت يمكن أن تؤدي فيه التوترات التجارية إلى إلحاق مزيد من الضرر بالاستثمار، وفي وقت نجد فيه الاستثمار ضعيفا بالفعل. ولذلك، أقول مجددا إنها لحظة فارقة، وينبغي أن نتوخى الحذر. وعلى وجه التحديد، نظرنا فيما يمكن أن يحدث إذا ارتفعت التعريفات على كل السلع التجارية بين الولايات المتحدة والصين بمقدار يبلغ 25 نقطة مئوية. هذا وحده يمكن أن يخفض إجمالي الناتج المحلي السنوي بنسبة تصل إلى 0.6 في المائة في الولايات المتحدة، ونسبة تصل إلى 1.5 في المائة في الصين. ولعل في ذلك إيذاء للذات ينبغي أن نتجنبه. ومع ذلك، فإن المناقشات المتعلقة بالتشوهات التجارية أو الممارسات غير العادلة غالبا ما ترتبط بمفهوم العجز والفوائض التجارية الثنائية – والتعريفات الجمركية.
والواقع التاريخي هو أن الموازين التجارية الثنائية تكون مدفوعة في الغالب بعوامل اقتصادية كلية، وليست تعريفات ثنائية. وبعبارة أخرى، إن أكثر الطرق فعالية لتخفيض العجز التجاري الثنائي هو الابتعاد عن التعريفات - لأن التعريفات على سلع أحد البلدان تحوِّل التدفقات التجارية إلى بلدان أخرى. وليس هناك فائز في الحروب التجارية - ولعلكم سمعتموني أقول هذا أيضا! ولذا نحتاج إلى العمل معا لتخفيض الحواجز التجارية وتحديث النظام التجاري العالمي - حتى نكون جميعا فائزين.
ويعني هذا معالجة قضايا مثل الدعم المقدم من الدولة، والملكية الفكرية، وخصوصية البيانات. ويعني أيضا عقد اتفاقات جديدة لإطلاق الإمكانات الكاملة للخدمات التجارية والتجارة الرقمية. ويعني أيضا وجود أطر قائمة على قواعد لضمان المنافسة العادلة وتهيئة الظروف الملائمة لها.
ومن ثم فبينما نتقدم إلى الأمام، نحتاج إلى إجراء جماعي لتحديث الوظائف الأساسية لمنظمة التجارة العالمية، من التفاوض إلى الشفافية إلى تسوية النزاعات. وسيؤدي هذا إلى إيجاد نظام أقوى وأكثر مرونة. ولا شك أن تهيئة الظروف الملائمة للمنافسة العادلة عبر الحدود لا تقتصر على التجارة. ولعلكم رأيتم في الأيام الأخيرة أن الصندوق ركز على الحاجة إلى تحسين الإطار الذي يرتكز عليه النظام الضريبي المعني بالشركات الدولية. وقد ذهبت إلى حد القول إن النظام عفا عليه الزمن بشكل جوهري. وأنا أؤمن بأننا نشترك مع الغرفة في رأيها أن اعتماد منهج من جانب واحد يعود على البلدان بنتائج عكسية. إننا بحاجة إلى جهد عابر للحدود.
ويمثل إصلاح نظام ضرائب الشركات الدولية تحديا لكل البلدان. لكن البلدان النامية تعتمد بشكل خاص على إيرادات ضرائب الشركات لتمويل استثماراتها الأساسية في البشر والبنية التحتية.
ويشير تحليلنا إلى أن البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي تخسر نحو 200 مليار دولار أمريكي سنويا لأن الشركات تستطيع تحويل أرباحها إلى مواقع تفرض ضرائب منخفضة. هذه الإيرادات الضائعة تجعل زيادة النمو والتوظيف مهمة أصعب على البلدان منخفضة الدخل - وكذلك الوفاء بأهداف التنمية المستدامة مع حلول التاريخ المستهدف المتفق عليه، وهو عام 2030.
والخبر السار هو أن الجهود جارية لتحديث نظام ضرائب الشركات الدولية. لكنّ أمامنا جهدا أكبر يتعين القيام به. وقد طرح الصندوق بعض الخيارات لكيفية العمل معا حتى يصبح النظام أكثر إنصافا وملاءمة للمستقبل.
تحدثت حتى الآن عن مجالين من المجالات ذات الأولوية على صعيد السياسات: محليا وعبر الحدود. وأنتقل الآن إلى آخر مجال من المجالات ذات الأولوية، وهو التحديات العالمية.

الشراكة لمعالجة التحديات العالمية
هذه قضايا لا يستطيع بلد حلها بمفرده - والقائمة طويلة: العوامل الديمغرافية، والهجرة، والمخاطر الإلكترونية، وبالطبع الخطر الوجودي المتمثل في تغير المناخ.
وفي هذا الخصوص، أعلم أن الغرفة ترى إمكانية كبيرة في قيام شراكة بين القطاعين العام والخاص، وكذلك الابتكار والتكنولوجيا من حيث تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة. ونحن في الصندوق نشارك بعمق أيضا في الجهود المتعلقة بهذه القضية - من منظور اقتصادي كلي بالطبع.
وقد ركزنا بالتحديد على تسعير انبعاثات الكربون وتخفيض دعم الطاقة – الذي تصل قيمته إلى نحو 5.2 تريليون دولار سنويا، أو 6.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وهاتان الأداتان اللتان تستخدمهما السياسات يمكنهما تحقيق الكثير في المساعدة على تخفيف آثار تغير المناخ.
ولأنني أصبحت جدة منذ وقت قريب، يجب أن أقول إن جعل الكرة الأرضية مكانا أفضل لأبنائنا – وأحفادنا – أصبح تحديا له وقع خاص بالنسبة لي.
وفي محادثاتي مع الشباب في مختلف أنحاء العالم، عرفت أيضا أن تغير المناخ هو أحد التحديين اللذين يمثلان أهمية كبرى لمستقبلهم.
أما التحدي الثاني فهو الفساد، وهذا أيضا مجال بادر الصندوق بتكثيف تركيزه على آثاره الاقتصادية الكلية في بلداننا الأعضاء. إن التكلفة السنوية للرشوة وحدها تبلغ أكثر من 1.5 تريليون دولار أمريكي - أي نحو 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. ويمثل غسل الأموال وتمويل الإرهاب بعدين خطيرين آخرين للمشكلة نفسها - وهو ما يواصل الصندوق العمل بشأنه مع أكثر من 100 بلد عضو. ويؤكد آخر بحث أجريناه تكلفة الفساد العالية التي تتحملها المالية العامة، ما يؤدي إلى خسارة فادحة في الإيرادات العامة وانخفاض جودة الإنفاق العام. ويؤكد هذا التحليل الجديد ما كنا نظنه طوال الوقت، وهو أن الفساد يخفض النمو. ويزيد عدم المساواة. ويغذي عدم الثقة.
فهل هناك أي أمل في محاربة الفساد؟ نعتقد أن هناك أملا – ونؤمن بالفعل بأن الإجراءات الصحيحة على صعيد السياسات يمكن أن تحدث فرقا كبيرا.

إنشرها