الأمية .. محوها اليوم لا يشبه البارحة

|

عندما نقول عن إنسان إنه "أمي" فهذا يعني مجازا أنه يحمل الصفات المعرفية الأولى التي كان عليها يوم ولدته أمة، وأنه لم يستطع أن يكتسب، مع الزمن، صفات معرفية أخرى جديدة أو متجددة تعينه على التعامل مع قضايا الحياة. عندما يولد الإنسان لا يكون لديه أية معرفة سوى الفطرة التي منحها الله له، والاستعداد لاكتساب المعرفة والإسهام فيها عبر وسائل مختلفة، على رأسها التعلم من الآخرين الذين اكتسبوا وأعطوا ما لم يصل إليه بعد. "الأمي" إذن هو المبتدئ الذي "لا يعرف ما يجب أن يعرف"، أو على الأقل الحد الأدنى مما يجب أن يعرف، كي يتعامل بنجاح مع شؤون الحياة والناس من حوله.
مع تقدم المعرفة وتطور معطياتها، ووصولنا إلى هذا العصر، عصر الثورة الصناعية الرابعة، تزداد المعرفة المطلوبة، بل تتسارع في تزايدها، ويرتفع الحد الأدنى مما يجب على الإنسان معرفته. وهنا تأتي فكرة أن "محو الأمية"، بمعنى الحصول على الحد الأدنى من المعرفة التي يحتاج إليها الإنسان في شؤون الحياة، قضية ليست ثابتة، بل هي متغيرة، تزداد مع التقدم المعرفي وتطور معطياته. ويضاف إلى ذلك أمر آخر هو أن المتعلم في تخصص معين قد يفتقد المعرفة المتجددة المفيدة في شؤون الحياة العامة، وعلى ذلك، فهو "أمي" ولو "جزئيا"، على الرغم من معرفته التخصصية، وربما المتقدمة. وعلى ذلك فإن محو الأمية اليوم ليس كما كان محوها بالأمس. لم يعد محو الأمية تعليما أساسيا يتلقاه الإنسان مرة واحدة فقط، بل بات تعلما مستمرا، وتفكيرا حكيما متواصلا، يبدأ ليواكب الإنسان مدى الحياة.
سوف نطرح في هذا المقال مسألة "الأمية" والمتطلبات المتزايدة لمحوها، ونظرة العالم إلى ذلك، ودور كل إنسان في هذا الشأن، خصوصا أننا أمة "اقرأ" التي جمعت حضارات، وأعطت آثارا لا تمحى. وسيكون لهذا المقال، بمشيئة الله، امتداد في مقال آخر يهتم "بالأمية المعلوماتية" في العالم "السيبراني" حيث الإنترنت وما يرتبط بها، بل والعالم "السوبر- سيبراني" الذي يضيف إلى سابقه الذكاء الاصطناعي وما يتعلق به.
عبر العقود السابقة، تطور التعريف الخاص بمتطلبات "محو الأمية"، الصادر عن "منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم: يونسكو UNESCO". تضمن هذا التعريف، عام 1958، القول إن هذه المتطلبات تتضمن "قدرة الإنسان على قراءة وكتابة نص بسيط حول حياته اليومية". وفي عام 1978، ارتفع مستوى المتطلبات، حيث باتت تشمل "قدرة الإنسان على تنفيذ مهمات القراءة والكتابة وتنفيذ الحسابات البسيطة".
ومع الانتقال إلى الألفية الثالثة للميلاد، طرحت وثيقة صادرة عن "يونسكو"، عام 2009، ثلاثة محاور رئيسة لمحو الأمية. يهتم أول هذه المحاور بالتعامل مع "النصوص"، ويشمل ذلك الكلمات والجمل والفقرات التي تكون النصوص المختلفة. ويركز المحور الثاني على التعامل مع "الأرقام"، بما في ذلك تلك المرتبطة بالأطوال والأحجام والأشكال، والقيم المالية، ومبادئ الإحصاء الرئيسة، والعلاقات الرياضية البسيطة. ويعتني المحور الثالث بمسألة التعامل مع "الوثائق" التي تتضمن نصوصا وأرقاما إلى جانب جداول وخرائط توضيحية.
وإضافة إلى ما سبق، طرحت وثيقة "يونسكو"، سابقة الذكر، تعريفات أكثر طموحا لمتطلبات محو الأمية. يقول أحد هذه التعريفات: "إنها قدرة الإنسان على الفهم والتعبير والتفسير والإبداع والتواصل والتعلم من أجل تحقيق أهدافه والشراكة مع المجتمع". ويضيف تعريف آخر، إلى متطلبات هذا التعريف، مبدأ "التعددية". والمعنى المقصود هنا هو استيعاب التعددية والاختلاف في قضايا الحياة، والاهتمام بالتوافق محليا ودوليا، وتعزيز قدرة الأفراد على التواصل فيما بينهم مهما تعددت اختلافاتهم.
وهكذا نجد أن المتطلبات المتجددة لمحو الأمية لم تعد تقتصر على قراءة النصوص وكتابتها، ولا على التعامل مع الأرقام والإحصاءات والحسابات، ولا على استيعاب الوثائق والجداول والخرائط، بل بات لها متطلبات رئيسة أخرى لا تقل أهمية في التعامل مع متطلبات الحياة. ولعله يمكن النظر إلى هذه المتطلبات الأخرى من خلال محورين اثنين يتصفان بعلاقة وثيقة تربط بينهما. المحور الأول هو محور "التفكير"، لأن التفكير هو وسيلة الاستيعاب والفهم، وعمق التفسير والإبداع، وحسن التعبير والتواصل، وتفعيل القدرة على المتابعة والتعلم المتواصل دون انقطاع.
ونأتي إلى المحور الثاني، وهو محور "السلوك"، فسلوك الإنسان يتأثر بالتفكير، حيث إن السلوك الناضج يأتي حصيلة قرار، والقرار المتأني يأتي نتيجة التفكير. من هنا تبرز العلاقة الوثيقة بين "السلوك والتفكير". السلوك المطلوب، في إطار تعريف محو الأمية سابق الذكر، هو ذاك الذي يقبل التعددية، ويبتعد عن التفرقة، ويحرص على التوافق على المستويين المحلي والدولي. وللتعددية في هذا المجال ثلاث فوائد رئيسة. أولها "المساواة" فالتعددية التي تحمل التوافق لا يمكن إلا أن تكون عادلة، وإلا أصبح التوافق توترا. أما الفائدة الثانية فهي توسيع آفاق "آفاق التفكير" عبر تعددية مصادره وأساليبه التي يمكن أن تعطي إبداعا وابتكارا في مختلف شؤون الحياة. وتبرز الفائدة الثالثة بعد ذلك عبر تفعيل التفاهم وتعزيز "التعاون" في إطار شراكة الكل فيها رابح، ولا مكان فيها للخاسرين.
ويبرز هنا تساؤل يقول "من المسؤول عن محو الأمية وتقديم التأهيل اللازم لذلك؟". على مستوى الإنسان، لا شك أن لكل فرد في ذلك دورا مستمرا تجاه الآخرين من حوله، عبر ما لديه من "معرفة"، ومن قدرة على "التفكير" المعزز بالحكمة والمسؤولية، ومن توجه نحو سلوك "التوافق والتعاون". وعلى مستوى المؤسسات، يبرز الدور الرئيس لمؤسسات التعليم بشتى مراحله، "فالتعليم المطلوب هو تداول للمعرفة اكتسابا وحوارا وإبداعا وابتكارا وسلوكا مسؤولا، لا يمحي أمية الإنسان فقط ويجعله قادرا على التعامل مع متطلبات الحياة، بل يؤهله للتميز والعطاء أيضا". وهناك بالطبع دور مهم للمؤسسات الإعلامية والمؤسسات الثقافية التي لم تعد تستخدم الطباعة والبث الإذاعي والتلفزيوني فقط، بل امتدت إلى عالم الإنترنت السيبراني، والعالم السوبر- سيبراني. ولنا عودة في المقال المقبل، بمشيئة الله، إلى موضوع "الأمية المعلوماتية" في هذا العالم الفسيح والمتجدد.

إنشرها