كيف للقطاع الخاص أن يخفض البطالة؟

|

إنه أحد أصعب الأسئلة التي تقف في وجه القطاع الخاص، إن لم يكن هو السؤال الأصعب، والأكثر غموضا في جانب البحث عن إجابة شافية كافية له! القطاع الخاص الذي يقف أمام أسئلة أخرى، لا تقل صعوبة ولا تحيد عن هذا السؤال وغيره من بقية التحديات التي تعترض طريقه.
فقبل سؤال: كيف للقطاع الخاص أن يخفض البطالة؟ يقف السؤال الأول والأهم: كيف للقطاع الخاص أن ينمو؟ ليتمكن فعليا من الإجابة عن كيف له أن يسهم في خفض البطالة؟! وهل بالفعل إن تمكن القطاع الخاص من تحقيق معدل النمو اللازم شرط لينجح في توظيف العمالة الوطنية، سيقوم فعلا بزيادة توظيف العمالة الوطنية؟ وسؤال آخر؛ من أين يستمد القطاع الخاص عزائم قوته وعافيته لينمو كما نطمح جميعا؟ ليس فقط لأجل أن يكون أهلا لزيادة توطين وظائفه، بل ليسهم أيضا في تعزيز النمو الاقتصادي، وتحسين مستويات المعيشة، وزيادة تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وتحوله فعلا إلى بيئة جاذبة للمدخرات والثروات الوطنية، لتتدفق الأموال كما يجب إلى حقوله الكثيرة والمجدية، بما ينعكس على أثره بكثير من العوائد على الاقتصاد الوطني والمجتمع، والتنمية المستدامة والشاملة محليا بشكل عام.
سيخرج من يقوم بالبحث والدراسة المتأنية فيما تقدم من أسئلة على سبيل المثال لا الحصر، بمفارقتين شديدتي التضارب؛ الأولى: أنك ستجد القطاع الخاص ضحية تتلقى الصدمات تلو الصدمات، سآتي بعد قليل على ذكر أهمها وأثقلها وزنا! الأخرى: أنه أيضا قد تورط في جعل غيره ضحية، وألحق به أذى بالغ السوء، لأسباب عديدة سأختصر ذكرها فيما سيأتي بعد قليل. كيف هذا؟!
أما أنه قد وقع ضحية؛ فمن أبرز ما تلقاه من صدمات سابقة وحاضرة "ذلك أن بعض تلك الصدمات قد قطع في علاجها أشواطا تستحق الإشادة، والبعض الآخر من الصدمات لا يزال جاثما على صدر القطاع الخاص والاقتصاد الوطني"، إنه وقع لعقود طويلة ضحية لبيروقراطية الأجهزة الحكومية، ما بين تأخر تحديث أنظمة وسياسات لم تواكب بجمودها أو بطئها سرعة تطور القطاع الخاص من جانب، ومن جانب آخر تضارب بعض تلك الأنظمة والسياسات الصادرة من مختلف الأجهزة الحكومية، وهذا المصدر للصدمات أصبح خاضعا لأكبر وأوسع عمليات إصلاح وتطوير منذ منتصف 2016 "رؤية المملكة 2030"، ولا يزال العمل جاريا في هذا السياق، ويؤمل أن يصل إلى غايته النهائية قريبا، ليتحول من كونه صدمة إلى داعم رئيس لأداء القطاع الخاص وتطوره.
ومن مصادر الصدمات التي لا تزال قائمة، وتلحق الأذى بالقطاع الخاص، ويؤمل أن يتم القضاء عليها في أقرب وقت ممكن، ما هو ممثل في:
(1) التستر التجاري، الذي تسبب وجوده وتغلغله في بيئة الأعمال المحلية في إلحاق الكثير جدا من الأذى بمنشآت القطاع، عبر قضائه على أبسط درجات المنافسة في السوق المحلية، وتحوله إلى خصم لدود تسبب إما في طرد المنشآت الوطنية من مختلف نشاطات الاقتصاد، وإما في تقليص حصصها السوقية.
(2) تشوهات السوق العقارية، التي اجتذبت عوائدها المرتفعة جدا الأموال والثروات، لتدخل في مضاربات محمومة وتدوير هائل للأموال على حساب تدفقها نحو الاستثمار في الفرص الاقتصادية والاستثمارية في القطاع الخاص، هذا من جانب! ومن جانب آخر؛ أن التضخم الكبير في أسعار الأراضي والعقارات وإيجاراتها، الناتج بدرجة كبيرة من وجود تشوهات السوق العقارية من زيادة لأشكال الاحتكار والمضاربة، انعكس سلبيا على أداء القطاع الخاص، متسببا في رفع تكاليف التشغيل والإنتاج على القطاع، ليجد القطاع الخاص نفسه بين كماشتي تشوهات عقارية، لا قبل له بها بأي حال من الأحوال.
أما بالنسبة لكون القطاع الخاص، قد تسبب في إلحاق الأذى بغيره، أول تلك الأطراف أو الضحايا يتمثل في الموارد البشرية الوطنية، التي تم تهميشها إلى حدود بعيدة جدا من قبل أرباب منشآت القطاع الخاص، لتمنح أغلى وأجدى فرص العمل لديها لمصلحة العمالة الوافدة، ولم يكتف أرباب القطاع الخاص بذلك فحسب، بل تمادوا إلى حدود أبعد من ذلك بتسليم العمالة الوافدة إدارة وقيادة دفة منشآتهم الخاصة، ما نتج عنه في المحصلة النهائية، وخضوعا جزئيا لسياسات وبرامج التوطين "التي تعاني هي بدورها ضعفا وقصورا"، إلى الاكتفاء بمنح العمالة الوطنية فرصا هامشية للعمل، بأجور متدنية جدا وبما لا يتوافق مع المؤهلات والخبرات التي تحملها الموارد البشرية الوطنية! ما أبقى بدوره معدل البطالة مرتفعا بين صفوف المواطنين والمواطنات "12.7 في المائة بنهاية 2018"، وأن يأتي معدل أعلى ارتفاعا بين صفوف أصحاب الشهادات العليا "16.8 في المائة لحملة شهادات البكالوريوس فأعلى بنهاية 2018"، وأن يأتي كذلك معدل البطالة بين صفوف الشرائح الشابة من المواطنين والمواطنات أعلى من المعدلين السابقين "28.0 في المائة لشريحة العمر 20 ــ 29".
حتى لمن يتذرع من منشآت القطاع الخاص بالدورات الاقتصادية "صعودا، هبوطا"، فقد أثبتت فترات النمو القياسية للاقتصاد وللقطاع الخاص اجتذابا أكبر للعمالة الوافدة على حساب العمالة الوطنية، وفي فترات الركود وضعف النمو كان أول من تم الاستغناء عن خدماته من العمالة لدى منشآت القطاع الخاص هم العمالة الوطنية!
الشكل الآخر من دور القطاع الخاص المتأخر؛ هو استمرار إدمانه على الإنفاق الحكومي الجاري والرأسمالي بشكل أكثر تحديدا، وعجزه عن النهوض بقاعدته الإنتاجية وتنوعها، عدا اعتماده المفرط على التحفيز الحكومي عبر خفض تكلفة استهلاكه للطاقة والموارد الناضبة محليا، وهو الجانب الذي تم الحديث عنه طويلا "تجاوزت فاتورة هذا الاعتماد المفرط والدعم والتحفيز للقطاع 5.3 تريليون ريال طوال ثلاثة عقود مضت".
كل ما تقدم ليس إلا استعراضا لبعض معالم الطريق الذي يسير فيه القطاع الخاص، وصولا أو محاولة للوصول إلى معادلة نستهدف جميعا أن يتكيف معها القطاع، وأن ينطلق منها نموا وتوسعا بما يؤهله بدرجة أكبر لاستقلالية أكبر، ومساهمة أكبر في الناتج المحلي، وفي زيادة فرص العمل أمام الموارد البشرية الوطنية "إجابة عن سؤال المقال"، وهو ما يستحق أن يمتد ويستمر الحديث عنه مطولا في مقالات مقبلة بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

إنشرها