التغلب على صعوبات مرحلة الدكتوراه

|
كاتب اقتصادي


لعلي أبدأ بسرد قصة ما زالت عالقة في ذهني على الرغم من مضي أكثر من عشر سنوات على حدوثها. عندما بدأت المرحلة الأولى من البحث العلمي التي عادة تبدأ بمراجعة الأدبيات العلمية، لم تكن هناك أبحاث متخصصة في تمويل الخدمات الصحية في السعودية، وطلب مني المشرف وقتها عمل مراجعة للأدبيات العلمية على مستوى دول الخليج العربي أو مستوى دول الشرق الأوسط. ونظرا لمحدودية المراجع العلمية في هذا المجال وعدم وجود نشر علمي سابق اضطررت للسفر لجمع بعض من تلك البيانات من مصادرها المختصة خصوصا أن معظمها غير متوافر في المواقع الرسمية. لم تكن المهمة سهلة كما بدت لي من الوهلة الأولى. لكن بحمد الله وتوفيقه تمكنت من إعداد مادة علمية لم تكن متوافرة في الأدبيات العلمية. وقمت بإرسالها للمشرف الدراسي للمراجعة وإعطاء المرئيات حيالها، وكنت متوقعا بعض الملاحظات من هذا المشرف الذي عرف عنه دقته العالية. وقد كان هذا البروفيسور لديه دكتوراه في الرياضيات ودكتوراه في الاقتصاد من جامعة أكسفورد ويعد أحد أهم المرجعيات العلمية في مجال اقتصادات الصحة. لكن عرف عنه أيضا حزمه وتوقعاته العالية من طلبة الدكتوراه. وبعد انتظار طويل كنت متوقعا أنه سيرسل لي ملاحظات تفصيلية لكني ُصدمت أو ربما صعقت -بعبارة أدق- بإرسال رسالة اكتفى بذكر أنها مجرد كلام فاضي. وكان صعبا علي تقبل هذا الموقف لأني بذلت كل ما اعتقدت أن بوسعي القيام به، بل وانقطعت خلال تلك الفترة عن الناس حتى العائلة وسهرت ليالي طويلة متواصلة داخل أروقة الجامعة من أجل ضمان تقديم مادة علمية مميزة. الصدمة التي تعرضت لها كانت كبيرة ولم أشعر وقتها إلا وأنا في مكتب المشرف الدراسي الآخر الذي أدرك هول الصدمة التي انتابتني ما دفعه إلى تهدئتي مشكورا، وقال لي إن هذا المشرف عرف عنه مثل هذه التصرفات كما أنه رفض الإشراف على كثير من الطلبة الذين تقدموا للدكتوراه لعدم قناعته بأبحاثهم بينما قبوله لك يعني قناعته برسالتك وقدراتك.
هذا الكلام وإن خفف قليلا من هول الصدمة لكنه لم يقنعني كثيرا وخرجت من الجامعة وقاعة الدراسات العليا التي سهرت فيها ليالي متواصلة مكسور الجناح. وبعد بضعة أيام وتفكيرعميق بعيدا عن أروقة الجامعة وصلت إلى قناعة مفادها إنني سأكون الخاسر الأكبر إذا ابتعدت عن أروقة الجامعة والبحث العلمي، واقتنعت أن لوم المشرف -وإن كنت موقنا بخطئه- لن يغير من حقيقة أن مرحلة الدكتوراه في محك قد لا يتحقق إذا لم أدر الحدث بصورة صحيحة.
وبالفعل بدأت أجمع قواي وبصورة مختلفة وبعقلية جديدة مفادها إذا كانت المادة العلمية التي سهرت عليها ليالي مفيدة فلماذا لا أسعى لنشرها في إحدى المجلات العلمية المحكمة؟ وبالفعل بدأت أسعى نحو النشر العلمي خصوصا أن ما كتبته كان المادة العلمية الأولى في مجال تمويل الخدمات الصحية في دول الخليج العربي، وتمكنت وقتها ولله الحمد من نشر ما كتبته في الأدبيات العلمية في إحدى المجلات التي لها قيمتها العلمية في المجال. هذه الورقة العلمية من أغلى الأوراق العلمية التي نشرتها ليس فقط لكونها أول ورقة علمية في تمويل الخدمات الصحية في دول الخليج فقط، ولكن نظرا لما أسهمت به في زيادة ثقتي بالقدرة البحثية التي كانت لدي، كما أنها أعطتني درسا حول أهمية ضبط العلاقة مع المشرف بغض النظر عن الاختلاف معه و"بجاحته" أحيانا.
فمن أهم المهارات التي يجب أن يكتسبها الطالب أثناء مرحلة الدكتوراه مرتبطة بمدى قدرته على البحث باستقلالية دون تدخل مباشر من المشرف الدراسي. فأحد أهم أهداف رسائل الدكتوراه أنها تمكن الطالب أن يصبح قادرا على البحث العلمي بصورة سليمة ومستقلة. هذه الحقيقة تعكس الخلاف الذي يطرأ بين الطالب والمشرف نظرا لاختلاف التوقعات والأدوار بينهما. لذا فإن من أهم التحديات التي تواجه طالب الدكتوراه، كيفية بناء علاقة مع المشرف الدراسي بصورة تحقق الهدف الرئيس من الدراسة.
مع الأسف بيئتنا التعليمية تجعل الطالب يشعر أن دوره يكمن في انتظار التوجيه من قبل المشرف الدراسي فقط. بل إن البعض يتوقع من المشرف الدراسي قيادة دفة الرحلة نحو الحصول على شهادة الدكتوراه، لكن الحقيقة أن الباحث هو من يقودها ويحدد مسارها بينما يقتصر دور المشرف في التوجيه العام والتأكد من صحة الطريق الذي يسير عليه الطالب. اختلاف التوقعات بين المشرف وطالب دراسة الدكتوراه يقود في كثير من الحالات لنشوب خلاف بينهما وقد يفاقم أزمة العلاقة بينهما. لذا فإن كان لي نصيحة لطلبة الدراسات العليا، فإني أوصيهم بعدم وضع توقعات عالية من المشرف الدراسي.
وإن كان لي من نصيحة أخرى، فأني أوصي طلبة الدكتوراه بضرورة النشر العلمي قبل موعد مناقشة الرسالة، لأن النشر العلمي في المجلات المحكمة يتيح لطالب الدكتوراه أن يراجع جزءا من رسالته من جهة محايدة ومحكمة قبل أن تراجع من قبل اللجنة المخصصة لتقييم رسالة الدكتوراه. كما أن النشر العلمي يقلل الضغط على الطالب ويزيل جزءا من مخاوف عدم قبولها بالشكل المرضي.
كما أنصح أخيرا طالب الدكتوراه بقراءة نظام الجامعة ونظام التعليم العالي من جهة، ومن جهة ثانية، على طالب الدكتوراه قراءة الكتب المساعدة على فهم طبيعة مرحلة الدكتوراه والخيارات المتاحة لطالب الدكتوراه ككتاب how to get a PhD. ، ففهم نظام التعليم في كل بلد يساعد على فهم التوقعات من الطالب وفهم حقوقه وواجباته. المشكلة أن الطالب يتحمل عدم قراءته واطلاعه على الأنظمة الخاصة بالجامعة.

إنشرها