مراقبة وترشيد استهلاك المياه

|


من العناصر المهمة في معضلة توفير المياه الحاجة المستمرة إلى مراقبة وصيانة البنية التحتية في جميع أنحاء العالم؛ لمنع فقدان المياه من خلال أنظمة التوصيل، حيث إن الكميات الصغيرة المتسربة يتعاظم حجمها مع مرور الوقت. ولا شك أنه من المفيد مراقبة البنية الأساسية العتيقة، واستخدام التقنيات الجديدة، مثل الصمامات الذكية اللاسلكية وأجهزة استشعار عيوب الأنابيب والكشف عن التسرب بها، ولكن يجب أن يواكب ذلك تطبيق سياسات للمياه، مثل إعداد التقارير المنتظمة ووضع الخطط للصيانة الدورية.
ومشكلة المياه المفقودة بسبب التسريب ليست بالهينة. وفقا لتقرير صدر عام 2013 من إحدى المؤسسات غير الربحية في الولايات المتحدة، فإن المياه المفقودة من خلال البنية التحتية القديمة والمتهالكة تقدر بنحو 2.1 تريليون جالون سنويا، أي نحو 16 في المائة من المياه المستخدمة في الولايات المتحدة يوميا. أما في أوروبا فتبلغ القيمة النقدية التقديرية للمياه المفقودة من خلال البنية التحتية المتهالكة نحو 80 مليار يورو سنويا، وذلك وفقا لخدمة معلومات البحث والتطوير المجتمعي التابعة للمفوضية الأوروبية.
ومن العناصر المساهمة في تعاظم المشكلة عدم كفاية التمويل المخصص لإصلاح أو استبدال البنية التحتية العتيقة. وفي الولايات المتحدة هناك حاجة إلى استثمارات تتجاوز تريليون دولار لإصلاح وتوسيع البنية التحتية لمياه الشرب المتقادمة في البلاد، وفقا لتقرير صادر عن الجمعية الأمريكية لأعمال المياه لعام 2013. وكانت تقديرات إصلاح وتحديث أنظمة معالجة مياه الصرف الصحي في جميع أنحاء البلاد مشابهة لذلك هي الأخرى.
ومما لا شك فيه أن تأخير الاستثمار في إصلاحات البنية التحتية الملحة يزيد بشكل كبير من التكاليف النهائية. ومن خلال استبدال البنية التحتية الضعيفة يمكن تقليل ما يسمى "المياه المجانية"، التي تشير إلى المياه التي تمت معالجتها، ولكنها ضاعت من خلال التسريبات أو السرقة قبل الوصول إلى المستهلكين.
ويعد ترشيد استهلاك المياه أمرا ضروريا للحد من ندرة المياه. وعلى الرغم من وجود مخاوف بشأن فعالية هذا الأمر إلا أنه ضروري لتقليل الطلب. وعادة يتم الإعلان عن جهود ترشيد الاستهلاك وتشجيعه في أوقات الجفاف، ولكن في الواقع ترشيد الاستهلاك هو أساس الحفاظ على توازن العرض والطلب خاصة في المناطق التي تواجه النمو السكاني الكبير.
وتتضح جهود ترشيد الاستهلاك الفعالة في مناطق مثل سرقسطة في إسبانيا، التي أطلقت مشروعا لتوفير المياه في عام 1997 بهدف تقليل الاستخدام المنزلي للمياه بمقدار مليون متر مكعب في السنة. وكان التأثير الصافي هو توفير 1.176 مليون متر مكعب من المياه سنويا، وفقا لمجموعة موارد المياه 2030 التابعة للبنك الدولي. وهذا يمثل تقليلا في نصيب الفرد من استهلاك المياه يبلغ نحو 51 لترا يوميا، وبمعنى آخر يمثل تغييرا من 150 لترا يوميا في عام 1997 إلى 99 لترا يوميا في عام 2012، على الرغم من أن الزيادة السكانية بنسبة 12 في المائة.
أما في العالم الإسلامي، حيث تشهد المساجد ازديادا كبيرا في كمية المياه المهدورة خلال عملية الوضوء، تكون جهود ترشيد الاستهلاك ملحة. و"المد" هي فكرة جديدة مستوحاة من الهدي النبوي. المد هو صنبور يزود المتوضئ بكمية من الماء تكافئ ما ورد في السيرة من حجم مد وضوء النبي- صلى الله عليه وسلم- والمد هو ملء اليدين من الماء ويراوح بين 400 و700 مللتر. وهذه هي الكمية التي يسمح الصنبور المزود بمستشعرات بنزولها خلال وضوء الشخص الواحد مع وجود مؤشر على كمية الماء المتبقية للوضوء قبل أن يتوقف الماء عن النزول. بهذه الطريقة يتم توفير ملايين الأمتار المكعبة من المياه التي تهدر سنويا بسبب الإسراف في الوضوء. إذ تشير بعض الدراسات إلى أن معدل استهلاك الفرد للماء في الوضوء يراوح بين خمسة وعشرة لترات، بينما يقوم المد بتوفير تسعة أعشار هذه الكمية. كما أن الصنبور لم يغفل الناحية الجمالية فهو يتميز بتصميم مستوحى من تصميم المآذن.
وفي النهاية تتطلب معالجة مشكلة ندرة المياه الجهود المشتركة للمستهلكين ومديري مرافق المياه والباحثين والموظفين العموميين، بهدف إيجاد مجموعة من الحلول الفعالة ذات الأسعار المعقولة. وقال برايان ريختر ــ مدير استراتيجيات المياه العذبة العالمية في منظمة الحفاظ على الطبيعة، يجب عليك موازنة الاستهلاك مع المتاح ومراعاة التكلفة والفعالية. ويعد ترشيد استهلاك المياه أو كفاءة استخدامها في الصناعة والزراعة أقل الخيارات تكلفة لمعالجة مشكلة ندرة المياه مع أقل تأثير في البيئة.
وقد خلصت مجموعة موارد المياه 2030 التابعة للبنك الدولي إلى ما يلي:
لا توجد أزمة مياه واحدة، ولا يوجد حل بسيط. تواجه مختلف الدول وأحواض المياه المختلفة مشكلات فريدة تتباين في بعض الأحيان حتى داخل المنطقة نفسها. وفي ظل محدودية المياه المحلية يصبح التحدي الحاسم هو كيفية إدارة هذه الموارد لتوفير المياه اللازمة لتحقيق النمو بأمان، وكذلك لتلبية احتياجات الناس والبيئة.

إنشرها