كيف انخفض معدل البطالة؟!

|


أعلنت الهيئة العامة للإحصاء أخيرا انخفاض معدل البطالة بين المواطنين بنهاية 2018 إلى 12.7 في المائة، مقارنة بمستواه البالغ 12.8 في المائة بنهاية 2017، وجاء الانخفاض لمصلحة العمالة الذكور من 7.5 في المائة إلى 6.6 في المائة بنهاية 2018، فيما سجل ارتفاعا على العمالة الإناث من 31.0 في المائة إلى 32.5 في المائة بنهاية الفترة.
والأمر الإيجابي أن يبدأ معدل البطالة في التراجع، بالتزامن مع معدلات النمو الاقتصادي التي بدأت تنشط خلال العام الماضي، خاصة في جانب الذكور من المواطنين، الذين سجل معدل بطالتهم تراجعا إلى 6.6 في المائة بنهاية العام، فيما يعد أمرا سلبيا ارتفاع المعدل بالنسبة إلى الإناث، الذي سجل ارتفاعا للفترة نفسها من 31 في المائة إلى 32.5 في المائة.
لكن التساؤل حول كيف انخفض معدل البطالة خلال العام الماضي إلى مستواه المعلن أخيرا عند 12.7 في المائة، في العام ذاته الذي سجل فيه إجمالي العمالة الوطنية في القطاعين الحكومي والخاص انخفاضا بلغت نسبته 1.6 في المائة "صافي انخفاض بنحو 50.2 ألف عامل وعاملة"، وجاء بنسبة أكبر في جانب القطاع الخاص وصلت إلى 4.2 في المائة "أي انخفاض بنحو 75.5 ألف عامل وعاملة"! عندئذ تكون لهذا التساؤل أهمية قصوى للبحث عن كيفية انخفاض معدل البطالة، في الوقت ذاته الذي انخفض فيه أيضا إجمالي العمالة من المواطنين؟ للاستفادة من الأسباب التي وقفت خلف هذه التطورات الإيجابية، والعمل على تعزيزها قدر الإمكان، وتوجيهها نحو الاتجاهات التي تقلص مجتمعة من تحديات البطالة بين صفوف المواطنين والمواطنات.
وقد كان لافتا جدا أن نشرة سوق العمل الأخيرة "الربع الرابع 2018"، لم تتضمن للمرة الأولى منذ 1999 قيام هيئة الإحصاء بنشر الأعداد الفعلية للعاطلين من الذكور والإناث، التي اكتفت فقط بنشر معدلاتهم وتوزيعهم نسبيا، الذي حد بدوره كثيرا من قدرة التعرف على الأسباب الكامنة خلف انخفاض معدل البطالة بالنسبة إلى العاطلين من الذكور، وخلف ارتفاعه بالنسبة إلى العاطلات من الإناث، وخلف انخفاض المعدل الإجمالي للبطالة خلال العام الماضي.
التخمين الأولي "قد يكون صحيحا وقد يكون خاطئا" للانخفاض في معدل البطالة رغم انخفاض حجم العمالة الوطنية في كل من القطاعين الحكومي والخاص، أن الانخفاض في حجم العمالة الوطنية جاء أكبر نتيجة لزيادة أكبر في أعداد المتقاعدين، وتركز ذلك في جانب الذكور بنسبة أكبر وفقا لما تظهره معدلات التغير السنوي، فاقت في مجملها أعداد الداخلين الجدد منهم إلى سوق العمل "حكومي، خاص"، الذي أسهم بدوره في تقليص أعداد العاطلين "الذكور تحديدا" بنسبة كبيرة، كما قد يبدو من القراءة الأولية لتغيرات معدل البطالة، ولهذا شهدنا انخفاضا ملموسا في معدل البطالة لدى الذكور، وانخفاضا محدودا في المجمل العام للمعدل، قلصه بكل تأكيد ارتفاع أعداد المتعطلات من الإناث.
كل هذا يظل مجرد تخمين! وينتظر أن تؤكده أو تنفيه تطورات أعداد المتقاعدين خلال العام الماضي، تحديدا في القطاع الخاص كونه الجزء الذي تركز فيه الانخفاض مقارنة بالقطاع الحكومي، كما سيأتي إيضاحه بالتفصيل بعد قليل. لهذا سيظل هذا التساؤل مفتوحا حتى تتوافر بقية البيانات الرسمية المتعلقة بأعداد المتقاعدين والمتقاعدات خلال العام الماضي، تحديدا في القطاع الخاص.
بقراءة تفصيلية لما تم نشره من تطورات في النشرة الأخيرة لسوق العمل المحلية "الربع الرابع 2018"، سيجد القارئ الكريم أنه في مواجهة مباشرة مع التساؤل الموضح أعلاه. حيث تبين النشرة الأخيرة أن إجمالي العمالة في القطاع الحكومي سجل ارتفاعا خلال 2018 بلغت نسبته 1.3 في المائة "زيادة 18.7 ألف عامل وعاملة"، ليستقر إجمالي أعدادهم في القطاع الحكومي بنهاية العام عند نحو 1.49 مليون عامل وعاملة "1.4 مليون سعوديون، 79.2 ألف غير سعوديين". تركز الارتفاع لمصلحة العمالة الوطنية بنسبة بلغت 1.8 في المائة "زيادة 25.3 ألف عامل وعاملة سعوديون"، مقابل انخفاض العمالة الوافدة في القطاع الحكومي بنسبة 7.6 في المائة "انخفاض 6.6 ألف عامل وعاملة غير سعوديين".
أما في القطاع الخاص؛ فقد سجل إجمالي العمالة في القطاع خلال 2018 انخفاضا بلغت نسبته 11.2 في المائة "انخفاض بنحو 1.1 مليون عامل وعاملة"، ليستقر إجمالي أعدادهم في القطاع الخاص بنهاية العام عند نحو 8.6 مليون عامل وعاملة "1.7 مليون سعوديون، 6.9 مليون غير سعوديين". شمل الانخفاض هنا كلا من العمالة الوطنية والوافدة على حد سواء، حيث انخفض عدد العمالة الوطنية بنسبة 4.2 في المائة "انخفاض 75.5 ألف عامل وعاملة سعوديون"، وسجلت العمالة الوافدة انخفاضا أكبر وصلت نسبته إلى 12.8 في المائة "انخفاض بنحو 1.0 مليون عامل غير سعوديين، وزيادة بأكثر من 10.0 آلاف عاملة غير سعوديات".
المحصلة النهائية لتطورات إجمالي المشتغلين في القطاعين الحكومي والخاص خلال 2018، أظهرت انخفاضا بلغت نسبته 9.6 في المائة "انخفاض بنحو 1.1 مليون عامل وعاملة"، ليستقر إجمالي عدد المشتغلين في القطاعين الحكومي والخاص بنهاية العام عند نحو 10.1 مليون عامل وعاملة "3.1 مليون سعوديون، ونحو 7.0 مليون غير سعوديين". وفقا لبيانات النشرة الأخيرة، سجل إجمالي عدد العمالة الوطنية في القطاعين الحكومي والخاص انخفاضا بنسبة 1.6 في المائة "صافي انخفاض بنحو 50.2 ألف عامل وعاملة"، وسجل أيضا بالنسبة إلى العمالة الوافدة في القطاعين الحكومي والخاص انخفاضا أكبر بنسبة 12.7 في المائة "انخفاض بأكثر من 1.0 مليون عامل، مقابل زيادة 4.3 ألف عاملة".
ختاما؛ تقتضي المواجهة الجادة والكفؤة لتحد تنموي جسيم بحجم البطالة، اتخاذ كافة التدابير والإجراءات والسياسات اللازمة والكافية للحد منها، والعمل المستمر والمشترك لأجل الوصول إلى ذلك الهدف التنموي الكبير، من ضمن تلك الجهود المطلوبة؛ الالتزام بأعلى قدر ممكن من الشفافية المتعلقة بنشر بيانات سوق العمل المحلية والمتعطلين، التي تخدم الأطراف كافة بدءا من متخذي القرار وصولا إلى المهتمين والمختصين بشؤون سوق العمل المحلية والمواطنين أيضا، والأمر غير الإيجابي هنا؛ أن تجد أي طرف من تلك الأطراف قد يلجأ إلى "تخمين" أسباب ارتفاع أو انخفاض مؤشر بالغ الأهمية كمعدل البطالة! في الوقت ذاته الذي يعد فيه أهم وأقوى أسلحة وأدوات تحقيق "رؤية المملكة 2030" وبرامجها التنفيذية كافة، هو الشفافية والإفصاح عن كل البيانات والإحصاءات اللازمة لفعل ذلك، وهو المتطلب ذو الأهمية القصوى الذي يجدر بهيئة الإحصاء إدراكه والعمل على تحقيقه، وينتظر أن تترجمه قريبا بمشيئة الله تعالى، فتقوم بنشر بقية الإحصاءات الغائبة عن نشرتها الأخيرة لسوق العمل، ولا يكفي هنا تزويدها بتلك البيانات فقط "الربع الرابع 2018" لمن يطلبها عبر موقعها الإلكتروني، ثم تشترط عدم نشرها ومناقشتها وبحثها علنا إلا بموافقتها، في الوقت ذاته الذي نجد فيه أن تلك البيانات منشورة علنا منذ عام 1999 حتى نهاية الربع الثالث من 2018. والله ولي التوفيق.

إنشرها