الموارد البشرية والجهات المستهدفة

|


رأس المال البشري لم يزل أهم محور في أي اقتصاد مستدام حديث، وهذا يشمل كثيرا من القضايا التي تتعلق بالإنسان وتنميته من الجوانب كافة، فالجانب الصحي لا يقل عن الجانب التعليمي لا يقل عن الجانب التدريبي وتنمية المهارات، لقد أثبتت التجارب الدولية والدراسات التي قادها البنك الدولي أن الاهتمام برأس المال البشري يتطلب استثمارات واسعة في هذه المجالات جميعا على أن ذلك كله سوف يتم صبه في وظيفة مركزية وهي إدارة الموارد البشرية، ولهذا فإن أي تحولات حقيقية في مجال الاستثمار في رأس المال البشري تتطلب أولا وقبل كل شيء تنمية قدرات ومهارات إدارة الموارد البشرية، وبهذا جاءت "رؤية المملكة 2030" في هذا الجانب بالذات حيث ضرورة التحول من أنظمة الخدمة المدنية التي تركز على مفهوم إدارة شؤون الموظفين، إلى المفاهيم الجديدة والحديثة في الموارد البشرية، ورغم وضوح المسار وبساطة التنظير له إلا أن العمل على ذلك يواجه تحديات كبرى، فهناك رصيد ضخم من الخبرة والتجربة والثقافة التنظيمية في العمل الحكومي من الصعب تجاوزها فضلا عن استبدالها بغيرها، ولعل أبسط تلك التحديات هو التحول من مركزية وزارة الخدمة المدنية إلى تمكين الجهات الحكومية من إدارة مواردها بحسب احتياجاتها، ومن التحديات الانتقال من فكرة وفلسفة الوظيفة الحكومية النمطية بين الجهات الحكومية وما يترتب عليها من مراتب وحوافز مكافآت إلى تنوع واسع وتكييف الوظيفة الحكومية بحسب متطلبات الوظيفة نفسها، كل هذا مع استمرار الجهد المتواصل في التنسيق بين الجهات الحكومية حيث لا تعمل كل جهة وكأنها جزيرة مستقلة ذلك أن مثل هذا السلوك إن حدث فإنه سيقود إلى تنافسية غير محمودة بين الجهات الحكومية على الموارد البشرية الماهرة وبالتالي تكليف خزانة الدولة رواتب أعلى من المعدل المستحق، ومن أجل تحقيق كل هذا تبنت وزارة الخدمة المدنية خطة من ثلاثة محاور للتغلب على هذه التحديات.
أول هذه المحاور هو "التطوير" من أجل "التفعيل"، وهذا المحور يتطلب تطوير الأنظمة والتشريعات الموجودة حاليا وتمت قولبتها أساسا لتطابق فلسفة شؤون الموظفين، حيث إن التطوير المستهدف يحتاج إلى أن يكون مدعوما بالتشريعات التي تحمي عملية القرار، هذا وإلا سيكون هناك كثير من التفسيرات التي تخل بالنتائج المرجوة وقد تقود الجهات الحكومية إلى الانشغال بقضايا لا نهاية لها، ولهذا فإن التشريعات هي المحك الرئيس للعمل، قبل الانتقال إلى "التفعيل" وهو نقل الصلاحيات المركزية من وزارة الخدمة المدنية إلى الوزارات الأخرى في مجالات الموارد البشرية، وهذا التفعيل قد يعمل جنبا إلى جنب تطوير التشريعات، وذلك لمنح الوزارات والجهات الحكومية مرونة أكبر في عملية اتخاذ القرار بشأن احتياجاتها من الموارد البشرية، وعمليا قد تم إنجاز بعض الخطوات في هذا الجانب ومن ذلك القرار القاضي بمنح حق تعيين الوكلاء والمستشارين في الوزارات المختلفة التي منحت مرونة أكبر في جذب الكوادر من القطاع الخاص ومنح الوزراء مساحة من القرار لتحديد الراتب المستحق خارج سلم الرواتب المعتاد، كما تم إصدار اللائحة التنفيذية للموارد البشرية للخدمة المدنية قبل فترة وجيزة من أجل تسريع العمل.
يأتي محور "دعم التطبيق"، من أجل ربط الوزارات بعضها بعضا من خلال وزارة الخدمة المدنية، وعلى الرغم من عدم وضوح الاتجاه بعد في هذا المحور إلا أن الوزارة تطمح من خلال منصات العمل كمنصة بياناتي، أن تراقب وتطور مسارات العمل في اتجاه الموارد البشرية والتغلب على الثقافات التنظيمية السائدة، كما تحقق للوزارة من خلالها مراقبة العمل دون التأثير في اختيارات الوزارات، حيث تؤكد الوزارة أهمية الخطوط العامة مثل زيادة نسبة الموظفات السعوديات في الخدمة المدنية إلى 42 في المائة في 2020 ومعالجة أوضاع الموظفين في الجهات الحكومية المستهدفة بالتخصيص.

إنشرها