FINANCIAL TIMES

منطلق النهوض الصناعي في الريف بعيدا عن باريس

يتعلق أمر استعادة المجد الصناعي في فرنسا أيضا، بمحاولة تغيير العقلية الثقافية، لأن المواطنين فيها معتادون على الخطط العامة الكبيرة، أكثر من اعتيادهم على التجربة.
إذا نجح مشروع الإسكان مقابل دفع يورو واحد في مدينة روبية، يصبح بالإمكان تسريعه ونشره عبر مئات أو حتى آلاف المنازل، على المستوى الإقليمي.
يجمع دلبار بين مفردات رئيس تكنولوجيا ووعود السياسي. مثل ماكرون وكثير من أعضاء البرلمان الذين تم انتخابهم معه في عام 2017، فإن دلبار ليس سياسيا محترفا. نشأ دلبار، البالغ من العمر 47 عاما في روبية، حيث كان والده مقاولا في مجال التدفئة والكهرباء والسباكة، بينما عملت والدته لدى شركة لا ريدوت، لكنه انتقل إلى باريس من أجل العمل.
بعد 15 عاما مستشارا في مجال الاتصالات، عاد دلبار إلى مسقط رأسه لدخول السياسة وتم انتخابه عمدة في عام 2014 عن الحزب الجمهوري من يمين الوسط.
يقول: "كنت مقتنعا بأن روبية لديها القدرة على الانتعاش، وأردت أن أكون مفيدا لمدينتي. أعتقد أنها مدينة ذات إمكانات مذهلة وقدرة على الابتكار. كانت روبية ناجحة جدا في صناعة النسيج. ثم جاءت الأزمة، وكانت روبية مبتكرة في مجال تجارة التجزئة. الآن شركة أو في إتش تتبع تقليد الابتكار المذكور".

مشروع بلانش ميل
أحد المشاريع الأولى التي دعمها دلبار كان بلانش ميل، الذي حوّل مكاتب أعمال الطلب عبر البريد السابقة لدى شركة لا ريدوت إلى حاضنة لمتاجر التجزئة الرقمية.
تم إنشاء مشروع بلانش ميل Blanchemaille من قِبل شركة أورا تكنولوجيز EuraTechnologies ولها مبنى في مدينة ليل، ما جذب الشركات العالمية العملاقة في مجال التكنولوجيا والاستشارات مثل مايكروسوفت وكابجيميني.
اليوم، توجد 35 شركة داخل مكاتب مشروع بلانش ميل المبنية من الطوب الأحمر، حيث توظف أكثر من 200 شخص فيما بينها. منذ إطلاقه في عام 2016، بات هناك 68 مشروعا لإنشاء شركة جديدة دخلت إلى الحاضنة.
يقول سامويل تابان، مدير مشروع Blanchemaille، "ما نفعله هنا هو إنشاء وتطوير نظام بيئي عالمي، يهدف إلى دعم أصحاب المشاريع والشركات الناشئة في مجال التجارة، خاصة التجارة الرقمية".
يُدرك دلبار أنه في حين أن شركات مثل أو في إتش OVH توفر الوظائف في روبية، إلا أن التحدي الذي يواجهه هو تحويلها إلى مدينة يختار الناس العيش فيها، وليس التنقل فيها فحسب.
لقد سافر من سان فرانسيسكو إلى ليفربول للعثور على أفكار لمشاريع التجديد البيئي والحضري، وأطلق مبادرة "صفر نفايات". يقول "هناك كثير من المشكلات المرتبطة بنوعية الحياة، ولدينا مشكلة حقيقية حول كيفية تنشيط الحياة في المدينة. التحدي الأكبر الذي يواجهني اليوم هو تحويل مدينة على منحدر هبوطي، وأن أجعلها مدينة تسير على منحنى صعودي، خطوة خطوة".

المنطلق خطة التجديد في روبية
خطة التجديد الناشئة في روبية هي دلالة على مدى نجاح الحكومات الفرنسية المتعاقبة، في محاولة معالجة مشكلات البطالة والتمييز والإسكان في أكثر المناطق فقرا في البلاد خلال العقود القليلة الماضية.
تقول نيكولا براندت، الخبيرة الاقتصادية المتخصصة في استشارات السياسة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، "في فرنسا، لهذه السياسات القائمة على المكان، مثل البنية التحتية أو خطط التنمية الاقتصادية المحلية التي تستهدف المناطق ذات الأداء الضعيف، نحو 40 عاما، لكنها لا تستطيع أن تمضي إلا إلى شوط محدود".
"جزء من خطة ماكرون الكبيرة لفرنسا هو اجتذاب شركات جديدة، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، للمساعدة في تغيير حظوظ البلاد. السؤال هو كم عدد الوظائف التي تناسب مهارات السكان المحليين؟
في فرنسا، من الموثق جيدا أنه يوجد تمييز بناءً على اسم عائلتك والمكان الذي تأتي منه. وعندما يكون هناك كثير من الفقر، فإن المشكلة الكبرى التي تواجهك هي التعليم. تجب معالجة كل هذا".
زهرة البصري، مديرة مركز بول أمبلوا PôleEmploi للبطالة في روبية، شهدت مباشرة كيف يُمكن للباحثين عن عمل في المدينة أن يواجهوا التمييز.
تقول "التمييز في التوظيف هو حقيقة، أحيانا بناء على اسمك أو المكان الذي تعيش فيه". في نيسان (أبريل) الماضي، أدخلت حكومة ماكرون تجربة تسمى التوظيف المباشر، التي توفّر لأصحاب العمل حوافز مالية على مدى عدة أعوام، لتوظيف أشخاص من أفقر مناطق فرنسا.
سيستمر البرنامج حتى نهاية عام 2019. في أوت دو فرانس، هذا ينطبق على 33 ألف شخص من الباحثين عن عمل في 26 حيا من الأحياء التي تتمتع بأولوية في منطقة ليل الكبرى.
تقول زهرة إن الإشارات المبكرة واعدة: ألف شخص في المنطقة وجدوا وظائف منذ نيسان (أبريل) الماضي بفضل المبادرة. نحو ثُلثهم من مدينة روبية.
لا تزال فرنسا تواجه تناقضا في التوظيف. مستويات البطالة من بين الأعلى في منطقة اليورو، بينما تشتكي الشركات أنها لا تستطيع إشغال الوظائف لأن الأشخاص ليست لديهم مهارات كافية.

برنامج بروش إمبلوي
في عام 2016، أطلق رئيس المنطقة، برتران، برنامجا يُسمى بروش إمبلوي proch’emploi يهدف إلى تعزيز الاتصال المباشر بين الشركات والباحثين عن عمل، ما يعكس حقيقة أن ثلاثة من أصل أربعة عروض عمل لا تمر عبر المركز، بدلا من ذلك يتم الإعلان عنها داخليا داخل الشركات أو من خلال شبكات خاصة – وهو أمر يستثني الباحث العادي عن عمل.
عثر البرنامج على وظائف لعشرة آلاف شخص عاطل عن العمل في أوت دو فرانس في العامين الماضيين.
على المستوى الوطني، أطلق ماكرون إصلاحا شاملا لمخطط التدريب المهني السنوي في فرنسا بتكلفة تبلغ 32 مليار يورو. اعتبارا من عام 2020، سيكون كل عامل، بما في ذلك العاملون بدوام جزئي، قادرا على إنفاق خمسة آلاف يورو خلال حياتهم المهنية على دورات من اختيارهم.
وسيرتفع المبلغ إلى ما يصل إلى ثمانية آلاف يورو للذين ليست لديهم مؤهلات ويأتي ضمن برنامج الإنفاق السنوي بتكلفة ثلاثة مليارات يورو، لتدريب مليون شخص عاطل عن العمل، ومليون شخص ترك المدرسة على مدى خمسة أعوام.
كما وضعت الحكومة أيضا الخطط لإنشاء المزيد من فترات التدريب المهني وتجري المحادثات مع النقابات ومنظمات أصحاب العمل حول كيفية تشديد الروابط بين المنافع والتدريب.
لاقت تلك الإصلاحات ترحيبا من قبل خبراء الاقتصاد. تقول براندت من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "فرنسا هي واحدة من البلدان التي لديها نصيب مرتفع جدا من البالغين ذوي المستوى المنخفض في التعليم، في مجال القراءة والكتابة والحساب. السياسات المتبعة لجلب الشركات وأرباب عمل جدد لأماكن مثل روبية تبشر بالخير، لكن يجب أن ترافقها أفضل السياسات التعليمية للأطفال وتدريب أفضل للبالغين".
في الوقت الذي أدخلت فيه شركة أو في إتش صناعة جديدة كليا إلى روبية، تحاول شركة لا ريدوت إجراء عملية إصلاح شاملة لصناعة قديمة.
في منطقة الاستقبال التابعة لمكاتبها، التي تبعد بضعة أميال خارج المدينة، يتم عرض أعداد كبيرة من كتالوجات النظام القديم للطلب عبر البريد في كابينة زجاجية: بقايا من عهد سابق في حقبة يتم فيها الآن الطلب من خلال نقرة واحدة عبر الإنترنت والتسليم في اليوم نفسه.
قبل 100 عام، جسدت تلك الفهارس اللامعة روح روبية الريادية. الآن، تحاول شركة لا ريدوت إعادة استكشاف ذلك، مع مركز جديد مؤتمت للخدمات اللوجستية، تعتقد أنه يمكن أن يصبح بمنزلة نموذج للتوزيع بالتجزئة في القرن الـ 21.

شركة لا ريدوت تدخل على الخط
قصة شركة لا ريدوت هي واحدة من قصص التجديد المستمر: فقد بدأت في روبية في عام 1837 كمعمل لغزل الأجواخ. مع انهيار البورصة الذي حدث في عام 1929، أطلقت نظام التسليم بالبريد لبضائع التجزئة لأن النقل كان مكلفا.
واصلت الشركة عملها لتصبح شركة الطلب عبر البريد الرائدة في فرنسا، حيث كانت السباقة في إطلاق نظام التسليم خلال 48 ساعة ومن ثم 24 ساعة. بعد مطلع الألفية، تعرضت شركة لا ريدوت للمتاعب.
تقول ناتالي بالا، الرئيسة التنفيذية المشاركة للمجموعة: "في القرن الـ 20، تعثرت شركة لا ريدوت مرة أخرى، بسبب الجهات الناشئة في مجال التجارة الإلكترونية، وبسب العلامات التجارية "للأزياء السريعة" مثل زارا وإتش آند إم".
في عام 2014، اشترت بالا وشريكها التجاري إيريك كورتي الشركة من المجموعة الأم آنذاك كيرينج مقابل يورو واحد.
وتقول: "أنتجت شركة لا ريدوت اثنين من الكاتالوجات في السنة، وفجأة لم يكن النموذج مناسبا على الإطلاق لاحتياجات التجارة الإلكترونية المتمثلة في القدرة والبساطة والسرعة. مقابل تجارة التجزئة السريعة، كانت مجموعات التصاميم لشركة لا ريدوت بحاجة إلى تجديد أكثر انتظاما. وبالتالي كان يجب علينا إعادة اكتشاف أنفسنا".
عملت الشركة على خفض نطاق الإنتاج لديها وتخلت عن الكاتالوج مقابل متجر جديد على الإنترنت، وتطبيق عبر الهاتف المحمول وتسويق رقمي.
كانت المرحلة الأخيرة من عملية التحول هي استثمار مبلغ 50 مليون يورو في مركز جديد متقدم تكنولوجيا في مجال الخدمات اللوجستية، يدعى كواي 30، وإعادة تدريب العمال لتشغيله.
هدف شركة لا ريدوت هو تحقيق التعادل هذا العام، وفي نيسان (أبريل) الماضي، باعت حصة أغلبية إلى سلسلة "جاليري لافاييت" للمتاجر العامة. تقول بالا: "هذه ثورة. أخيرا أنشأنا مصنعا للمستقبل".
في الطابق الأرضي في مستودع الخدمات اللوجستية الجديد البالغة مساحته 42 ألف متر مربع، عملت الأتمتة على تحقيق مكاسب ضخمة في الإنتاجية.
يقول مدير الخدمات اللوجستية باتريس فيتزنر: "في السابق، كان زمن إتمام العمل هو 24 ساعة، أما الآن فهو ساعتان. مركز الإنجاز الجديد يشغل مساحة تقل بأربعة أضعاف، ويعمل فيه عدد أقل ثلاث مرات من الأشخاص، ويحتاج إلى وقت أقل عشر مرات".
يجري تخزين عشرة ملايين مادة في المستودع، مكدسة فيه بارتفاعات تصل إلى سقوف عالية.
في الموقع القديم، ينجز العمال عملية "الانتقاء" بشكل يدوي، بحيث يسير كل شخص مسافة تتراوح ما بين سبعة إلى عشرة كيلومترات في اليوم الواحد.
وقد تم استبدال ذلك الآن بمكوك آلي يسير بسلاسة بين الممرات. ويتم التعامل مع كل منتج الآن أربع مرات من قبل الشخص الواحد، مقابل 14 مرة عند استخدام النمط القديم. عملت أمل الوريدي لدى "لا ريدوت" لمدة تزيد على عقد من الزمن، وكانت عضوا في فريق الانتقاء في الموقع القديم.
تستذكر أمل قائلة: "لم يكن هناك قط روتين متبع، لذلك لم نكن نصل إلى أقصى درجات الكفاءة. اليوم، نظام كواي 30 خطي جدا، ويسمح لنا بتوفير الوقت. نحن الآن نبذل جهدا جسديا أقل بكثير".

نقطة معيبة: تسريح العاملين
كجزء من عملية التحول التي تعرضت لها الأعمال، سرحت شركة لا ريدوت 1178 موظفا في كل أنحاء فرنسا، ويعمل لديها الآن 500 شخص في فوج الأيادي العاملة الجديد، من كل أنحاء روبية وواتريلوس المجاورة.
حلت الأتمتة مكان بعض الوظائف، لكن جذور روبية المتعمقة في مجال التجارة عملت على اجتذاب رواد آخرين لتلك النماذج الجديدة إلى المدينة.
العام الماضي، اختارت فيستيار كوليكتيف، وهي سوق إلكترونية تشتري وتبيع ملابس مصممين وإكسسوارات "مملوكة مسبقا"، فروبية تختلف عن غيرها من المدن الأوروبية الأخرى لإقامة مستودع جديد للعمليات التشغيلية.
يقول أوليفييه مارشيتو، المدير العام في مجموعة فيستيار: "أردنا التأكد من أننا وصلنا إلى منطقة يسمح لنا سياق القوى العاملة فيها، بجلب 50 شخصا بشكل سريع. حقيقة أن المنطقة تحظى بتاريخ في مجال النسيج والصناعات التحويلية، وخدمة البريد والتجارة في الآونة الأخيرة، كان يعني أن بإمكاننا العثور على تلك المهارات".
تعتزم الشركة الآن توسيع نطاق فريقها المكون من 50 شخصا في توركوان، بجوار روبية، لمواكبة الزيادة في الأحجام. يقول مارشيتو: "هدفنا ليس إحضار أشخاص من مناطق أخرى بل الاستفادة من سوق العمل المحلية. الذهاب إلى منطقة هي واحدة من الأماكن الأكثر تعثرا من الناحية الاقتصادية في فرنسا، حيث يمكننا إيجاد فرص عمل، كان سببا آخر في أنها منطقة جاذبة للاستثمارات".
في الوقت نفسه، فإن شركة شو روم برايف. كوم Showroomprive.com، وهي شركة فرنسية للتجارة الإلكترونية، أنشأت مؤسستها الخيرية في بلانش ميل وافتتحت مدرسة للتدريب هناك.

إطار
البطالة أم المشكلات؟
يصف تيري بيتي، المؤسس المشارك، اختيار المجموعة لهذا الموقع بأنه "رمزي". ويقول: "روبية هي بلدة تعاني مشكلات كبيرة وكثيرا من البطالة. من الطبيعي جدا أن ترغب في إنشاء تلك المؤسسة في البلدة الأكثر تعقيدا في فرنسا".
لا تزال روبية تمر بمراحلها المبكرة. البطالة لا تزال مرتفعة، والحياة اليومية تشكل صراعا بالنسبة لمعظم القاطنين هناك.
على الصعيد الوطني، تتسبب حركة السترات الصفراء في إضعاف تنفيذ مزيد من الإصلاحات، ولا سيما في المجالات الحساسة مثل المعاشات التقاعدية والتأمين ضد البطالة وتنظيم الدولة.
في الوقت نفسه، أشارت دراسة استقصائية أجريت من قبل مؤسسة آيفوب لاستطلاعات الرأي قبل الاحتجاجات، إلى أن حزب ماكرون قد يحصل على 19 في المائة من الأصوات فحسب، في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل في الاتحاد الأوروبي، أول تجربة انتخابية له منذ توليه منصبه، تماما خلف قوى الحزب اليميني المتطرف الداعمة لمارين لوبن.
عودة إلى شركة أو في إتش، يقدم خبير هندسة الشبكات في بي ماس صورة أكثر تفاؤلا. هو يشير إلى أوجه التشابه بين مشاريع التجديد الحضرية التي ينفذها العمدة واهتمام شركة التكنولوجيا بالابتكار.
ويقول: "نحن نسير في المسار نفسه، نحاول فعل أشياء، أحيانا ننجح، وأحيانا نفشل. وهذا ربما ما تتشابه فيه كل من الشركة وروبية.
نعم، نحاول إحداث التعطيل، ونحاول الابتكار، ونحاول تغيير الأشياء من خلال تنفيذها بأسلوب مختلف عما كنا نفعل في الماضي. دعونا نحاول. إن لم نحاول، فلن ندرك أبدا ما إذا كان بإمكان تلك المشاريع النجاح أم لا".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES