نظرة أمي

|

تعرفت قبل فترة على قيادي بارع، يملك مهارات إدارية لافتة. هدوء واضح. حكمة بالغة. إضافة إلى أناقة ساطعة. جمعني معه لقاء خاص قبل أحد الاجتماعات.
أبديت له إعجابي بإدارته ولطفه وأناقته.
احتج على رأيي في أدائه المهني لكوني لم أعمل معه. رأى أن شهادتي مجروحة. ولكنه أبدى سعادته الجمة لإطرائي على كياسته وأناقته.
فهو يرى أن إشادتي بسلوكه واهتمامه بمظهره هو مدح لتربية وعناية والدته، رحمها الله.
هذا الثناء العابر دعاه لأن يفتح صنبور روحه، ويسترجع أمامي ذكرياته بحب وحنين لا يتوقف.
وصف لي بدقة كيف كانت أمه ترصد أي كلمة سلبية يتفوه بها، وتناقشه حيالها حتى يقلع عن استعمالها.
أما ملبسه فكانت تقوم بمسح كامل على ملابسه قبل خروجه من المنزل حتى وصل إلى الجامعة.
يتذكر أن أمه كانت تطلب منه قبل أن يغادر المنزل إلى أي مكان، أن يبحث عنها في أرجاء المنزل حتى يعثر عليها، لتلقي عليه نظرة فاحصة، وتتأكد من نظافة ملابسه وجودة كيها قبل خروجه.
تردد على مسامعه دائما: "مظهرك يقف خلف الانطباع الأول عنك. اجعل منه انطباعا جيدا. الرأي المبكر عنك سيساعدك ويسعدنا".
في إحدى المرات، لاحظت والدته ثقبا صغيرا في ثوبه، وهو يهم بالمغادرة إلى بيت خالته.
طلبت منه أن يخلعه ويرتدي آخر.
رد عليها قائلا: "كل ثيابي الأخرى قصيرة. ولن يلاحظ أحد هذا الثقب".
قالت له: "إذا لم تكن تملك بديلا لا تذهب. إذا اعتدت على تقديم التنازلات الصغيرة ستقدم تنازلات كبيرة".
كبر ابنها وتزوج وأنجب وتقلد مناصب قيادية، وما زالت كلمات أمه ترافقه حتى اللحظة.
التقيته لاحقا داخل مصعد قبل المشاركة في اجتماع آخر جمعنا.
كان يتأكد من نظافة ثوبه وحذائه باهتمام ودقة كبيرين أمام المرآة الطولية في المصعد.
التفت نحوي بعد أن انتهى من مهمته الصارمة، ثم ابتسم ابتسامة واسعة ورحب بي بحرارة ولطف بعد أن انتبه إلي، وقال: "هذه نظرة أمي يا عبدالله. هل تذكرها؟".

إنشرها