المشراق

عمر طوسون أمير العلم والخير

كنت أنوي أن أكتب مقالة موسعة عن الأمير عمر طوسون (1289 - 1363هـ/ 1872 - 1944)، وشرعت في البحث في المصادر المتوافرة لدي، وفي غيرها، إلا أني رأيت ما جعلني أتوقف عن مزيد من البحث. فقد اطلعت على مقالة ضافية وقيمة كتبها عبدالكريم السمك عنه، ورأيت فيها الغنية عما سأكتب، إلا أني سأضيف على مقالته فائدة من حديث أمير البيان شكيب أرسلان. وقبل أن أذكرها سأورد ترجمة مختصرة مما ذكره الزركلي عن عمر طوسون. قال الزركلي في الأعلام "عمر بن طوسون بن محمد سعيد بن محمد علي، مؤرخ باحث، من الأمراء السابقين بمصر، مولده ووفاته بالإسكندرية. تعلم في سويسرا، وقام بسياحات كثيرة، وشغف بالرياضة والصيد في شبابه، وأتقن مع العربية التركية والفرنسية والإنجليزية، وعكف على تاريخ مصر الحديث وآثارها، فصنف كتبا كثيرة بالعربية والفرنسية استعان على تأليفها ببعض كبار الكتاب، وآزر الحركة الوطنية المصرية بقلمه وماله، غير متقيد بتقاليد أسرته، في الانكماش عن الدخول في غمار الجمهور، وساعد أهل طرابلس الغرب حين أغارت عليهم إيطاليا سنة 1910. وكان من أعضاء المجمعين العلميين بمصر ودمشق، ومن أعضاء الجمعية الجغرافية بمصر"، ثم أورد الزركلي بعد ذلك طائفة من أسماء مؤلفاته.
وقد تحدث شكيب أرسلان في كتابه "الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية" حديثا ضافيا يبين قيمة هذا الأمير النبيل فقال: "هذا ولقد أحببت أن أتوج هذا الكتاب الذي تعبت فيه هذا التعب كله، باسم أحد أمراء الإسلام وأقطاب الشرق، الذين يتفق في شأنهم الكلام ممن يملأ العيون والصدور، ولا يكون الثناء عليه تنميق جمل وتشقيق ألفاظ، بل يكون نفس فعله هو الهاتف بمدحه من دون منة لقائل. وتكون سيرته الشخصية ومآثره المستمرة هي المخلدة له في الأعقاب وعلى طول الأحقاب، وإذا رأوني الناس اخترته لتتويج هذا الكتاب باسمه قالوا بأجمعهم: تالله لقد أحسن الاختيار وأتى الأمر من بابه، وما أطرى وما بالغ، ولا تملق ولا داهن، وإنما هو الحق الذي لا يجهله أحد. ولا يأتي على هذا الشرط عظيم من عظماء الإسلام قبل الأمير الكبير العلامة الخطيب الأمير عمر طوسون حفظ الله مهجته للإسلام والمسلمين في كل ملمة، ومفزعها في كل مهمة. وإليه ارتاحت جميع الضمائر، وعليه حامت جميع الخواطر، وما من بزلاء إلا وقد نهض بها يشار إليه بالبنان في جميع أنحاء العالم الإسلامي لا يعمل شيئا، ما يعمله رئاء ولا سمعة ولا ابتغاء شهرة ولا إمارة، هو الذي يزينها وليس بالذي يتزين بها، وغنما يعمل ما يعمله ابتغاء وجه الله- تعالى- وخدمة لهذه الأمة التي أبى أن يكون من أعظم أمرائها نسبا وجلاء، بدون أن يكون من أجل أمرائها علما وعملا وجداء، فكان قدوة لكل أمير لا يعرف العبث، ولا يريد أن يضيع من عمره لحظة واحدة بدون فائدة للبشر. وما أقول هذا عن متابعة للناس في شأن هذا الأمير المنقطع النظير، ولا عن روايات معنعنة ولا عن شهرة طائر وإن كان التواتر يفيد اليقين وإن كان الناس أكيس من يجمعوا على مدح رجل إن لم يكن لذلك أهلا، وإنما أقول ما أقوله عما خبرته بنفسي وشاهدته بعيني، وتبادلت معه في الكتب المتصلة والرسائل المتواترة، مدة تزيد على 25 عاما، من أيام الحرب الطرابلسية إلى الحرب البلقانية، إلى الحرب الكبرى إلى جميع الخطوب والنوازل التي حلت بالإسلام من بعدها مما قيدت خلاصته في ترجمة حياتي التي أوصيت بأن تنشر من بعدي، واستودعتها مكتب المؤتمر الإسلامي في بيت المقدس، وكذلك مما سجلته في تاريخ الدولة العثمانية الذي حررته تعليقا على تاريخ العلامة ابن خلدون - رحمه الله - إجابة لطلب المتصدي لتجديد طبعة الحاج محمد المهدي الحبابي القاسي - وفقه الله - ولست- والله يعلم- في شيء مما قيدته من أعمال الأمير الأوحد عمر طوسون مد الله في حياته بالذي وفاه إلا النزر الأقل مما يجب من حقه على هذه الأمة التي تعرف له من فضله عليها بقدر ما ينكر هو من ذاته، ولست في جعلي هذا الكتاب باسمه الكريم إلا الكاتب الذي عرف أن يسد ما نقصه من العلم ويتلافى ما فاته من براعة الإنشاء بما وفق إليه من معرفة الفضل والهمة من براعة الإهداء".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق