نحن أم الآخر أو هم أم نحن؟

|


في علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا يظهر الآخر المختلف أمام أعيننا. وفي أغلب الأبحاث التي تتناول دراسة الخطاب والمجتمع هناك اهتمام كبير في الآخر المختلف.
وإن أردنا أن نعرض بإيجاز شديد النظريات والدراسات الأكاديمية التي تتناول الآخر المختلف نقول إن الأساس الذي تستند إليه يقول إننا لا نرى أن الآخر المختلف مساو لنا. بمعنى آخر نحن لا نحب الآخر المختلف بقدر الحب الذي نكنه لأنفسنا وللذين يشبهوننا لونا وثقافة ودينا وعرقا وغيره.
ويزداد حبنا لأنفسنا وكرهنا للآخر أو إبعاده، أو عدم القبول بمساواته بنا، بازدياد حبنا لأنفسنا. كلما زاد حبنا لأنفسنا وتشبثنا المتشدد بما نحن عليه، زاد تعلقنا بما نحن فيه وزاد الشرخ بيننا وبين غيرنا.
ولكن علينا الاحتراز من الذين يظهرون حبا جما لأنفسهم وما هم عليه. لقد أظهرت دراسات حديثة في علوم الاجتماع وتحليل الخطاب أن أكثر الناس انتهاكا لما ينادون به من أخلاق إنسانية حميدة هم المتشددون الذين لا يكفون صراخا في الناس ودعوة لهم للرجوع إلى ما يرون أنه الحق والعدل والأخلاق الحميدة.
في كتاب جديد قرأته أخيرا، يقول الكاتب، وهو صحافي وعالم اجتماع فرنسي، إن أغلب رجال الدين في الغرب من الذين لا يكلون ولا يملون من التنديد الشديد بالميول الجنسية التي يرونها منحرفة، هم أكثر الناس ممارسة لها.
ورغم هذا، يظهر هؤلاء أن حبهم لما هم عليه من ميل ودين ومذهب لا حدود له، مع ذلك، ينتهكون حرمة الضعفاء في صفوف الذين ينتمون إليهم، ومن ثم فإنهم في الغالب يستخدمون خطابا ينتقص أو يهرطق أو يكفر المختلف عنهم.
ويتحول هذا الحب الكبير لأنفسهم وما هم عليه ومن هو على شاكلتهم، إلى كره كبير للذين يخالفونهم ميلا أو موقفا أو ثقافة أو دينا أو مذهبا.
لا أعرف كيف يستطيع بعض الناس إظهار كل هذا الحب والعطف لمن يطابقهم ويتماشى مع ما هم عليه، ومن ثم يمقتون ويرفضون أناسا خلقهم الله مثلما خلقهم ولكنهم ذوو ميل أو لون مختلف.
ولا أعلم لماذا لا أستطيع استساغة ممارسات أو أطر خطابية يطلقها بعض هؤلاء لإظهار مدى حبهم لشعبهم ودفاعهم المستميت عنه. أيسر الأمور هي أن نحب أنفسنا ونقول ونكرر إننا في حب شديد مع شعبنا وأهلنا وقبيلتنا وثقافتنا أو نحول هذا الحب إلى ممارسات.
شخصيا أرى أن أفضل موقف وأحسن الحسن من المحبة والتسامح هو الذي ينتقل بسواسية من الذي نحن فيه إلى الذي يقف عليه المختلف عنا.
إن لم يعبر حبنا لأنفسنا وتشبثنا بما نحن عليه الحدود التي ترسمها لنا ميولنا وثقافاتنا وأدياننا وألواننا وعروقنا، يبقى "حبا من طرف واحد" ونتيجته الطلاق والشقاق والمأساة. هذا ينطبق على العائلة الصغيرة، كما على المجتمعات الكبيرة التي تتألف من نويات العائلة الصغيرة.
المحبة التي لا تكون متعددة الأبعاد والجوانب وتخترق الثقافات المختلفة لا خير فيها. والمحبة التي لا نمارسها على أرض الواقع وتبقى محصورة في الصفوف التي ننتمي إليها، أقرب إلى البغضاء والكره منها إلى التسامح.
التطرف الديني أو الثقافي أو العرقي لا يعرف المحبة إلا إن كانت تؤدي إلى تركيز التطرف وتعزيزه وجذبه صوب المركز أو القلب الذي ينفث سمومه.
وحتى إن لم يؤد تطرف مثل هذا إلى ممارسات عنيفة، فإن حصره ضمن إطار الخطاب واللغة سيؤدي إلى تبعات لا تحمد عقباها لأنه يشتت الثقافات المختلفة ويجعل من مركزه بؤرة لبث كراهية المختلف عنا.
والتمركز في إطار المحبة ضمن ما نحن عليه، يجعلنا نتباهى ونتفاخر عند إقصائنا للمختلف عنا وإخراجه من صفوفنا ومحاربته. المتشددون والمتطرفون من هذا الجنس لهم حضور محسوس اليوم وعلى جميع المستويات وضمن كافة الثقافات.
ويتصور أمثال هؤلاء أن سياسات الإقصاء تجاه المختلف تزيدهم مكانة ضمن المجتمع الذي ينتمون إليه ويتبنى أفكارهم ومواقفهم المتطرفة.
إنهم مخطئون لأنهم لا يقصون إلا أنفسهم من خلال هكذا ممارسات. الذي لا يستطيع التعايش مع الذي يراه مختلفا عنه، هو في صراع مرير مع نفسه أولا، ومع ما حوله ثانيا.
هؤلاء، لأنهم متطرفون، يزدهون بأقوال مثل: "أنا لست مثل هذا." وهذا بالذات هو ما حدا بأصحاب "أنا لست مثل هذا" استعمار الآخر المختلف أو اضطهاده أو التعامل معه بعنف وعدم قبوله حتى يدخل خانتهم.
وأحيانا لا يقبل هؤلاء المختلف عنهم حتى وإن قبل ميولهم وثقافتهم، وهذا ما حدث للأقوام الأصلية في أستراليا ونيوزيلندا وأمريكا الشمالية وجنوب إفريقيا. ويحدث أيضا للأقليات والثقافات المعاكسة للثقافات الرئيسة في الشرق الأوسط والغرب معا.
ما يحتاج إليه عالم اليوم، الذي تعصف فيه الرياح العاتية من كل حدب وصوب، ليس "أنا لست مثل هذا (الآخر)،" بل " أنا هو الآخر والآخر أنا،" وكذلك "نحن هم، وهم نحن".
وإلا، كلنا هالكون.

إنشرها