FINANCIAL TIMES

باريس تستخدم «بطاقات الحليب» للإيقاع بـ «جيمس بوند» المصارف

في أيار (مايو) من عام 2011، تم استدعاء موظفة ما دون سابق إنذار أو تفسير، لمقابلة مسؤولين من الحكومة الفرنسية خارج متجر لوي فويتون في شارع الشانزليزيه، في قلب عاصمة النور باريس.
من هنالك تم نقلها إلى خلف متجر تخفيضات كبير وأعطيت مهمتها: مساعدة الحكومة الفرنسية في محاولة القبض على مصرفيين سويسريين، يعملون بشكل غير قانوني على استمالة العملاء خلال بطولة فرنسا المفتوحة للتنس، أي رولان جاروس.
"قالوا إننا سنتبعك لمدة أسبوعين في بطولة رولان جاروس... وقالوا إنهم سيتابعونني لمدة أسبوعين بكاميرا"، كما قالت ستيفاني جيبو في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز"، بعد أيام من فرض عقوبة على بنك يو بي إس بقيمة 4.5 مليار يورو بالتهمة نفسها لعملاء في فرنسا، بل ومساعدتهم على التهرب من دفع الضرائب.
جيبو، وهي مديرة تسويق جديدة نسبيا نظمت مناسبات للعملاء خلال عملها لمدة تزيد على عشرة أعوام في المصرف، وأمضت الأيام التالية في بطولة رولان جاروس في خوف، محاولة التصرف بشكل طبيعي أمام زملائها، قبل استجوابها لعدة ساعات من قِبل مسؤولين فرنسيين.
وقالت، متذكرة، "كيف شعرت أثناء الوقوف أمام موظفي الجمارك: كنت أفكر في حياتي أشبه بفيلم مثير. اكتشفت في الطابق الأرضي لسلسلة متاجر فناك، أنه ليس لدي خيار. كان من الممكن أن يحتجزوني".
جيبو البالغة من العمر 53 عاما، كانت جزءا حيويا من قضية تضمنت أقراصا صلبة، وأنظمة محاسبة في نظام مصرفية الظل، ومصرفيين يطاردون العملاء عبر المجتمع الفرنسي الراقي، وبمجرد توجيه الاتهامات، واتضاح المقامرة الضخمة بالنسبة إلى بنك يو بي إس، بات السؤال هو ما إذا كان ينبغي إجراء تسوية أم لا؟
حكم المحكمة في باريس جاء في نهاية التحقيق الذي استمر عدة أعوام ومحاكمة شهدت وصف أحد الشهود تكتيكات المصرفين السويسريين في فرنسا بـ"بالصيادين" وأن القصة جديرة بـ"جيمس بوند".
أحد الأشخاص الذي تم الاستشهاد به في الحكم المكون من 217 صفحة، قال "إن الهدف كان سرقة أكبر عدد ممكن من الحسابات وإعادتها إلى سويسرا، سواء تم الإعلان عنها أم لا".
"صيد" العملاء الأثرياء المحتملين، كما يقول الحكم، حدث أثناء عمليات صيد فعلية في الريف الفرنسي، وفي المطاعم الراقية في وسط باريس، وأثناء مباريات الجولف، وفي الأوبرا في نانت وليون، وبطولات الرجبي وفي مقصورة بقيمة 80 ألف يورو تشرف على الملعب الرئيس في بطولة رولان جاروس.
بنك يو بي إس نفى باستمرار ارتكاب أي مخالفات، وقال في بيان صدر بعد صدور الحكم "إن الإدانة غير مدعومة بأي دليل ملموس". وينوي المصرف الاستئناف ضد الحكم، وهي عملية قد تستغرق عدة أعوام.
وقال المصرف السويسري "كما أشرنا في المحاكمة وقبلها، فإن الظروف المحيطة بمغادرة جيبو المصرف، وضعت رواياتها ومزاعمها موضع تساؤل جدي".
وأضاف أن "الحكم يستند إلى مزاعم لا أساس لها من موظفين سابقين لم يتم سماعهم حتى في المحاكمة".
السيدة جيبو، التي تقول "إنه طلب منها خوض الانتخابات الأوروبية كمرشحة مع السياسي اليميني المثير للجدل نيكولادوبون-آينيان، جسدت التوتر في قلب المحاكمة".
بنك يو بي إس يتهم الموظفة السابقة لديه بالتشهير، ورفض على نطاق واسع شهادتها باعتبارها "بدون أساس واقعي وتم استخدامها خارج السياق".
ويشدد على أنه حتى في بطولة رولان جاروس، لم يتم العثور على أي دليل على تحريض فعلي، على الرغم من قيام المحققين بتتبع العملاء إلى منازلهم. مع ذلك، لم يتم تصديق إنكار بنك يو بي إس وتوصلت المحكمة الفرنسية إلى إدانة المصرف. وفقا للحكم، فإن المصرفيين السويسريين حصلوا على أعمال من خلال السفر عبر فرنسا، باستخدام أقراص صلبة مشفرة وبطاقات أعمال بدون شعار المصرف.
كما تم تزويدهم أيضا بدليل "حوكمة مخاطر أمنية" يوفر إرشادات حول كيفية الحد من خطر الاكتشاف أثناء تنقلهم.
الدليل يطلب من الموظفين عدم الاحتفاظ بأسماء العملاء معهم، والتخلص من البيانات الحساسة إذا لزم الأمر أو عند عبور الحدود، واستخدام فنادق مختلفة لموظفي بنك يو بي إس الآخرين، وعدم التنبؤ بتحركاتهم، بما في ذلك سيارات الأجرة التي يطلبونها والمطاعم التي يأكلون فيها.
من أجل تتبع الأموال التي جمعها المصرفيون، يقول المدعون العامون إنه تم استخدام "نظام محاسبة مزدوج" – يسمى Carnets du Lait أو بطاقات الحليب.
وفقا لموظفين سابقين، كان نظام بطاقات الحليب على شكل ملاحظات مكتوبة بخط اليد على ورق رسم بياني من نوع كليرفونتان" يتم تركيزها في ملف إكسل يسمى Vache أي بقرة، في نهاية المطاف، ومن هنا جاء اشتقاق اسم بطاقة الحليب.
قال أحد الموظفين السابقين الذي استشهدت به المحكمة "ممارسة نظام بطاقات الحليب هذه كانت طريقة لعدم اكتشاف الأنشطة غير القانونية المتعلقة بعمليات نقل الأموال. مصدر المال لم يكن مهما إلى هذه الدرجة".
"من السهل جدا فهم الأمر، بما أن: معقد = تصريح وبسيط = عدم التصريح به إلى السلطات الضريبية"، كما كتب أحد المصرفيين في بنك يو بي إس في رسالة بريد إلكتروني، وهي ما استشهد به التقرير، بعد سؤاله عن الفرق.
كجزء من صفقة عفو ضريبي في عام 2015 مع السلطات الفرنسية، وافق نحو أربعة آلاف عميل في بنك يو بي إس على سداد ضرائب تبلغ نحو 3.8 مليار يورو، كانوا يحتفظون به في حساباتهم السويسرية.
هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها بنك يو بي إس لغرامة بسبب التهرب من الضرائب، حيث طلب منه دفع مبلغ 780 مليون دولار في الولايات المتحدة في عام 2009، لتسوية اتهامات مماثلة بموجب اتفاق مقاضاة مؤجل.
هذا كان مسارا من الممكن أن يكون بنك يو بي إس قد اتخذه أيضا في فرنسا، منذ إصدار قانون جديد يسمح بتسويات مماثلة بموجب اتفاق مؤجل في عام 2016، حيث سعت باريس إلى توسيع قدرتها لمعاقبة الجرائم المالية.
كانت فرنسا قد تأذت من مصارفها الوطنية، مثل بنك بي إن بي باريبا، إثر معاقبتها في الخارج. محاولات التسوية تعثرت عندما أثبت المحققون الفرنسيون عدم رغبتهم في أن ينجو المصرف، بدفع غرامة تقل عن 1.1 مليار يورو، أي المبلغ نفسه الذي كان بنك يو بي إس، قد وضعه كضمان خلال التحقيق.
وقال بنك يو بي إس إن "المبالغ المحجوزة للتسوية هي أعلى بكثير من الكفالة، وإن أي اتفاق بمثل هذه المستويات، من شأنه تشكيل سابقة غير مسؤولة بالنظر إلى نقص الأدلة".
هذا الفشل أثبت الآن أنه مكلف مع الطلب من بنك يو بي إس، دفع أكثر من عشرة أضعاف مبلغ الـ300 مليون يورو الذي سلمه بنك إتش إس بي سي للسلطات الفرنسية في عام 2017، لتسوية المزاعم أنه ساعد العملاء في مصرف سويسري خاص تابع له، على التهرب من دفع الضرائب. كما أدانت المحكمة أيضا خمسة مصرفيين سابقين في بنك يو بي إس، واصدرت أحكاما بحقهم، مع وقف التنفيذ.
وقال محام يعمل لمصلحة بنك يو بي إس "عرفنا الحد الأدنى من الغرامة المحتملة، واعتقدنا أنه إذا خضعنا للمحاكمة، فإننا لن نتلقى عقوبة بهذا المستوى. حقيقة أننا مصرف سويسري لم تساعدنا".
جيبو، التي فصلها بنك يو بي إس من العمل في عام 2012، وهي الآن مؤلفة ومتحدثة عامة، تلقت ثلاثة آلاف يورو بعد مقاضاة الحكومة للحصول على تعويض أكثر من ذلك بكثير.
كما منحتها المحكمة 30 ألف يورو بعد مقاضاة بنك يو بي إس بتهمة التحرش، فيما تسعى مرة أخرى للحصول على مبلغ أكبر بكثير.
حتى بعد تأليف كتاب عن التجربة، "المرأة التي كانت تعرف أكثر من اللازم"، لا تزال مضطربة نفسيا بسبب الوقت الذي قضته متخفية، "لقد جعلوني ألعب دور العميل السري، ومع أن العميل السري تتم تغطيته، فإنني لم أكن ذلك العميل السري المحمي".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES