تربية الأبناء .. التحدي الأكبر

|

ما من شك أن الوقت الحاضر بمتغيراته الاقتصادية، والمعرفية، والثقافية، وسرعة إيقاعاته يمثل تحديا، كبيرا، خاصة للذين لم ينالوا قسطا، كافيا من التعليم، ولم يكتسبوا مهارات استخدام التقنية بالشكل الذي يعينهم على متابعة الجديد، ومعرفة ما يعرض في المواقع الكثيرة، ذات التوجهات المختلفة، وبلغات متعددة، وأساليب إثارة، وإغراء لا حدود له، وسبب التحدي يتمثل في التقنية، وما تحمله إلى غرف النوم، وعلى مدار الساعة، وفي أيدي الشباب من الجنسين، خاصة من هم في مرحلة المراهقة، التقنيات المتقدمة، مع ما يصاحبها من ميل لاكتشاف الأشياء، والتعرف عليها، بل تجريبها مع خطورتها، إلا أن عدم النضج، وقلة الوعي بالآثار السلبية لما يعرض في الوسطاء يوقع البعض بما لا تحمد عقباه.
في الغرب بعض البرامج، والأفلام يحذر من مشاهدة الأطفال لها، ولا تعرض إلا في أوقات متأخرة؛ لما يترتب عليها من أضرار في تشكيل العقول، وإثارة الغرائز، وتنمية الميول، والرغبات الشاذة، وكل هذا ليس في مصلحة الفرد، ولا المجتمع، إذ قد يشب الناشئة على التمرد على المجتمع من خلال رفضه القيم التي تشكل أس الهوية الجامعة لمعظم أفراد أي مجتمع، إن لم يكن كلهم.
ما كان موجودا في الغرب من تحذيرات، ومحاولات لحماية الأطفال خلال العقود الماضية لا أعتقد أنها لا تزال موجودة مع الانفجار الهائل للمنتجات الفكرية، والثقافية، بغض النظر عن طبيعة، وفائدة هذه المنتجات، إذ لا يمكن تعميم خطورة هذه المنتجات، فبعضها مفيد فائدة عظيمة، وبعضها لا شك في ضرره، ويكمن التحدي في قدرة الطفل أو المراهق على التمييز بين الاثنين، أو التبصير بذلك من قبل المحيطين.
عندما يكون الوالدان غير قادرين على التمييز بين الغث والسمين لمحدودية ثقافتهما، وقلة مهاراتهما في التعامل مع التقنية، وعندما تكون المنظومة التقنية بكل ما تحمله بين يدي قليل النضج، ومحدود إدراك المخاطر المترتبة تتشكل المشكلات على شكل انحراف فكري؛ يترتب عليه انحراف سلوكي يدفع ثمنه الجميع على شكل خسارة المجتمع فردا من أبنائه وقع فريسة لمعدومي الضمائر الباحثين عن الربح، حتى ولو على حساب حياة الناس، ومستقبلهم، وهذا ما تشتكيه المجتمعات التي تئن تحت وطأة وقوع شبابها في المخدرات، أو اعتناق الأفكار الشريرة، المعادية للمجتمع في ثقافته، وثوابته.
كيف نواجه هذا التحدي في بيوتنا وإعلامنا ومدارسنا؟ مع الاعتراف بأن الأمر ليس باليسير، إلا أنه لا يأس، فالأسر في المقام الأول مطالبة بالانفتاح على الأبناء، والقرب منهم، ومناقشة قضاياهم، والإجابة عن تساؤلاتهم، إجابات صحيحة، وليست محاولات للهرب من الأسئلة، مهما كانت طبيعة الأسئلة، سواء كانت وجودية، أو جنسية، أو أخلاقية، وقد يواجه الوالدان صعوبة في الإجابة عن الأسئلة التي يوجهها الأبناء، وفي مثل هذه الحالة يمكن الاستعانة بالكتيبات المبسطة غير المعقدة، أو التنسيق مع المعلم المقتدر على الإجابة، والمحنك الحكيم، بدلا من معلم أحمق لا يجيد إلا النهر، والتوبيخ على ما يبحث الطفل، أو الشاب عن إجابات له، وهذا ما يحدث من البعض في المدارس، والجامعات.
الجلسات العائلية لأفراد العائلة كافة بشكل يومي تمثل أسلوبا حضاريا، ناجعا يتم من خلاله معرفة ما لديهم من مخاوف، ومشاعر، وأسئلة محيرة يصعب عليهم الوصول إلى إجابات بشأنها وحدهم، ولذا التئام العائلة يمثل لهم سياج أمان، وطمأنينة يبدد مخاوف المستقبل، ويعطي إجابة عن التساؤلات المحيرة التي تجول في خواطرهم، كما أنها تمثل كسرا للعزلة النفسية؛ نتيجة ظروف الحياة الصعبة، والتغيرات النمائية، ويمكن للعائلة من خلال الجلسات اكتشاف التحولات التي تحدث لدى الأبناء، وفي حال اكتشافها مبكرا يمكن تفادي آثارها من خلال برامج تستهدف تغيير الأفكار الخاطئة واستبدالها بأفكار إيجابية تسهم في تماسك المجتمع وصلاح الفرد.

إنشرها