التحدي الثقافي للعالم «السوبر - سيبراني» .. سلوك المؤسسات «2 من 2»

|

طرحنا في المقال السابق موضوع "سلوك الإنسان" في إطار "التحدي الثقافي للعالم السوبر- سيبراني"، حيث تعطي التقنية الرقمية الإنترنت وما يرتبط بها، وتطلق الذكاء الاصطناعي والأتمتة ومجالات تطبيقاتها المختلفة. وبينا في المقال أن سلوك الإنسان في هذا الإطار يتطلب "ثقافة علمية" تفيد في استيعابه ما يجري في العالم وترشد سلوكه نحو توجهات مناسبة؛ ويحتاج إلى "ثقافة اجتماعية" تضبط تعاملاته مع الآخرين لما فيه مصلحته ومصلحة المجتمع من حوله. يتوجه هذا المقال نحو "سلوك المؤسسات" في الإطار المطروح ليوسع مشهد التحدي الثقافي ويلقي مزيدا من الضوء على جوانبه المختلفة. وعندما نقول "مؤسسة"، في هذا المقال، فإن المقصود هو أي وحدة استراتيجية ابتداء من المؤسسات في مختلف المهن وشتى القطاعات، مرورا بالدول، ووصولا إلى العالم بأسره.
ولا شك أن العنصر الأهم في أي مؤسسة هو "الإنسان"، على اختلاف مدى دائرة تأثيره داخل مؤسسته وخارجها. وعلى ذلك فإن "الثقافة العلمية" و"الثقافة الاجتماعية" للإنسان المطروحتين في المقال السابق مطلوبتان أيضا لكل إنسان في أي مؤسسة كانت، في إطار "العالم السوبر- سيبراني". لكن هناك أيضا "متطلبات ثقافية أخرى" مطلوبة يجب أخذها في الحسبان على مستوى "المؤسسات" وعلى مستوى "العلاقات فيما بينها"، أنى كانت طبيعة أعمالها، من أجل توجيه سلوك أبنائها فيما يخص عملهم لديها، ومن أجل ضبط القرارات المتخذة بشأن سلوكها في التعامل مع المؤسسات الأخرى.
ولعلنا نلاحظ في "عالمنا المادي الفعلي" أن كثيرا من المؤسسات والشركات الخاصة، خصوصا الكبرى منها، تتبنى ثقافات خاصة بها وتضع ضوابط سلوكية للعاملين فيها، تشمل أصحاب العمل، والمسؤولين عن إدارتها العليا. ويذكر في هذا المجال أن وزارة العمل أصدرت "دليلا إرشاديا لقواعد أخلاقيات العمل في المملكة" غايته أن يكون مرجعا للمؤسسات الخاصة تستفيد منه في طرح "أخلاقيات السلوك" المطلوب فيها، في إطار العالم المادي، دون أخذ "العالم السيبراني"، أو "السوبر-سيبراني"، في الحسبان. وقد تحدثنا عن هذا الدليل في مقال سابق وبينا محاوره الرئيسة التي تشمل "السلوك والآداب العامة"؛ و"بيئة العمل التي تتضمن ثقافة العمل بما في ذلك واجبات العاملين وواجبات أصحاب العمل العامة منها والخاصة؛ إضافة إلى العلاقات العمالية". ولا شك أن "بيئة معطيات العالم السوبر-سيبراني المتجددة" في المؤسسات تحتاج إلى مثل هذا الدليل لتأمين سلوك مسؤول آمن لإمكانات هذا العالم المتجدد وخدماته.
ويشبه حال الدول حال المؤسسات من حيث وجود ثقافة معلوماتية محددة لضبط "سلوك العاملين فيها" و"سلوك المواطنين" أيضا، عبر أدلة توعوية إرشادية وتشريعات تختص بشؤون "العالم المادي". لكن مثل هذه الثقافة الموجهة لضبط السلوك في "البيئة المتطورة للعالم السوبر-سيبراني" لا تزال محدودة وغير كافية، خصوصا مع التجدد المستمر في معطيات التقنية الرقمية.
ولا يختلف الأمر كثيرا على مستوى العلاقات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة. فهناك مبادئ وأنظمة وتشريعات على المستوى الدولي، بعضها لتوجيه سلوك العاملين في المنظمات الدولية، وبعضها الآخر لضبط سلوك الدول في العلاقات الدولية. وتهتم هذه المبادئ والأنظمة والتشريعات "بالعالم المادي" في الدرجة الأولى، ولو أن بعضها بدأ يتجه نحو شؤون العالم "السيبراني"، كما سنوضح فيما سيأتي من هذا المقال.
من أمثلة الثقافة الدولية لتوجيه سلوك العاملين في المنظمات الدولية، في إطار العالم المادي، "وثيقة أخلاقيات العمل" في "منظمة العمل الدولية"، حيث تطرح هذه الوثيقة أربع قيم أساسية على العاملين الالتزام بها. وتشمل هذه القيم: "النزاهة"، بمعنى الموضوعية في العمل وعدم الانحياز لأي طرف؛ و"المهنية"، بمعنى الكفاءة والفاعلية في أداء العمل المطلوب؛ و"العمل كفريق"، بمعنى التعاون على الإنجاز؛ و"احترام التعددية"، بمعنى المساواة بين الجميع وعدم التمييز. وانطلاقا من هذه القيم، وضعت المنظمة "عشرة مبادئ" لسلوك العاملين، تحدثنا عنها في مقال سابق. كل ذلك في إطار "العالم المادي" وعدم التطرق إلى العالم "السيبراني" أو "السوبر-سيبراني".
هناك بالطبع أمثلة أخرى عديدة حول ثقافة العمل والعلاقات الدولية على مستوى الأمم المتحدة في إطار العالم المادي. وهناك اليوم بدايات حول التوجه نحو وضع مبادئ وأنظمة وتشريعات على المستوى الدولي حول "العالم السيبراني"، ولكن ليس العالم "السوبر-سيبراني" بعد. هناك في هذا المجال وثيقة صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2015؛ هي حصيلة عمل لجنة من الخبراء في موضوع "الأمن الدولي" في إطار "تطور حقل الاتصالات والمعلومات". وكانت غاية الوثيقة هي "مساعدة الدول على بناء بيئة خدمات معلومات آمنة ومتطورة ومتاحة للجميع". وقد أعطت الوثيقة خمس توصيات رئيسة، تركز على "الأمن الدولي للعالم السيبراني".
تهتم التوصية الأولى "بالوعي" المطلوب من الدول بشأن الحاجة إلى التنبه إلى مشكلة "الأمن الدولي للعالم السيبراني". أما التوصية الثانية فتركز على وضع "مبادئ مشتركة" بين جميع الدول لتطبيق القانون الدولي على "العالم السيبراني". وتتطلع التوصية الثالثة إلى تعاون الدول في هذا الشأن مع القطاع الخاص والمؤسسات البحثية عبر "شراكة معرفية" مفيدة. وتشجع التوصية الرابعة جميع الجهات ذات العلاقة على "الحد من المخاطر" على "العالم السيبراني". ثم تأمل التوصية الخامسة بمتابعة التطور والتعاون لتأمين "عالم سيبراني آمن".
وتستمر الجهود في مختلف أنحاء العالم نحو بناء "ثقافة للعالم السيبراني"، ثم "للعالم السوبر- سيبراني"، تؤدي إلى سلوك حميد آمن في التعامل مع معطيات هذا العالم، لما فيه مصلحة "العالم المادي الحقيقي"، وذلك على مستوى كل من "الدول والمؤسسات والإنسان". وإذا كان السلوك ينبع من الثقافة، والثقافة تنطلق من المعرفة والوعي والمبادئ والتوجهات، فلا بد من الاهتمام بذلك والعمل على تفعيله. ولا شك أن إدراك "ثقافة العالم السوبر-سيبراني" مطلوب ليس فقط "معرفة واستيعابا"، بل "سلوكا" أيضا. ولأن المعرفة والقناعة لا يضمنان السلوك المنشود دائما، وعلى جميع المستويات، لذا لا بد من ضوابط سلوكية تشريعية، تعززها وسائل تقنية، من أجل عالم "سيبراني"، بل"سوبر- سيبراني"، آمن ومتطور يستمتع به الجميع.

إنشرها