FINANCIAL TIMES

انتزاع تنازلات رقمية من فم «التنين» .. حجر عثرة أمام أمريكا

ترفض الصين التنازل فيما يتعلق بمطالب أمريكية لتخفيف القيود على التجارة الرقمية - وهي مسألة ذات أولوية قصوى بالنسبة إلى أكبر شركات التكنولوجيا في أمريكا – التي تعد واحدة ضمن حفنة من العوائق المتبقية أمام إبرام اتفاقية تجارية مرضية بين واشنطن وبكين.
وفقا لثلاثة أشخاص مطلعين على المحادثات، لم تقدم الصين حتى الآن أي تنازلات معقولة لطلبات الولايات المتحدة، بأن تنهي التمييز ضد شركات تزويد الحوسبة السحابية الأجنبية، والحد من متطلبات تخزين الشركات للبيانات محليا، وتخفيف القيود المفروضة على نقل البيانات إلى الخارج.
المأزق بشأن التجارة الرقمية من بين القضايا التي طرحت على الطاولة، عندما سافر روبرت لايتثايزر، ممثل التجارة الأمريكي، وستيفن منوشين، وزير الخزانة، إلى بكين في الـ28 من آذار (مارس) للاجتماع مع ليو هو، نائب رئيس الوزراء الصيني والمسؤول الاقتصادي الأول.
نحن الآن في انتظار عودة ليو إلى واشنطن في الأسبوع التالي، فالجلستان هنا وهناك مجتمعتان، ربما تكونا فاصلتين لتحديد مصير المحادثات.
في حال نجاحها، قد تكون هناك صفقة نهائية بين دونالد ترمب الرئيس الأمريكي، وتشي جين بينج، الرئيس الصيني، في وقت قريب ربما يكون أواخر نيسان (أبريل) الجاري. على أنه في حال فشلها، يمكن أن تتأخر الاتفاقية، ما يزيد من مشاعر اللبس على المستوى العالمي، أو يمكن أن تنهار المفاوضات بالكامل، في تصور آخر، ويمكن أن يستأنف تصعيد الرسوم الجمركية، ما يشكل ضربة إلى الأسواق المالية والاقتصاد العالمي، جراء مخاوف تحول الوضع إلى حرب تجارية شاملة بين العملاقين.
في الأسابيع الأخيرة، شعر بعض المسؤولين والمراقبين بالقلق من إشارات تفيد بأن المحادثات قد تتعثر، على الرغم من أن ترمب قال إنها ستستمر بشكل جيد.
تحاول الولايات المتحدة إقناع الصين بإجراء عمليات شراء كبيرة لصادراتها، وتغيير بعض السياسات الأساسية، تشمل استخداما واسع النطاق للدعم الصناعي إلى الحماية الضعيفة للملكية الفكرية، وممارسة إجبار الشركات على تسليم التكنولوجيا الحساسة لممارسة الأعمال في الصين.
النقطة الأكثر إثارة للخلاف تبقى الرسوم الجمركية الأمريكية الحالية على البضائع الصينية، التي تريد بكين إلغاءها وتريد الولايات المتحدة الحفاظ عليها، على الأقل جزئيا، فضلا عن مخطط لضمان تنفيذ أي صفقة.
في حين أن الولايات المتحدة تريد الحرية لفرض رسوم جمركية عقابية على بكين إذا لم تمتثل للاتفاق، فإن بكين لن تقبل بالطلب الأمريكي بأن تمتنع الصين عن رد فعل انتقامي.
فيما يتعلق بالتجارة الرقمية، أشار أحد الأشخاص المطلعين على المحادثات إلى أن الصين قدمت عرضا أوليا لم تعتبره الإدارة الأمريكية كافيا، وهي التي تريد تعهدات أكثر صلابة، ما أدى إلى أن تسحب بكين العرض. مكتب لايتثايزر، ومتحدث باسم البيت الأبيض، رفضا التعليق على الخبر.
لطالما كانت شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبيرة تشكو من أن الصين تفرض قيودا غير مبررة على قدرتها على العمل بشكل مستقل وبفعالية في البلاد. وهي تعتبر أن المفاوضات الحالية الشائكة، فرصة لحل المظالم الرئيسة التي تعانيها، عبر الصراحة في المفاوضات.
فيما يتعلق بالبيانات، اقترحت الصين تنظيمات تسمح بنقل البيانات إلى الخارج، إذا كانت تقل عن حجم معين، ولا تتضمن معلومات حساسة وشخصية، على أن يوافق عليها الزبون في كل مرة.
أما فيما يتعلق بالخدمات السحابية، فيتعين على الشركات الأجنبية حاليا أن يكون لديها شريك صيني للحصول على رخصة وإدارة أعمالها بفعالية في الصين - ولا يستطيع مقدمو الخدمات الأجانب استخدام علاماتهم التجارية.
"مقدمو الخدمات السحابية الأجانب معزولون تماما عن السوق، لكن الصين تستفيد من نموذج أعمالهم والتكنولوجيا المتطورة بشكل جيد، بالتالي هذا شيء نود رؤيته يختفي"، كما قالت نعومي ويلسون، وهي مدير أعلى للسياسة لمنطقة آسيا في مجلس صناعة تكنولوجيا المعلومات، الذي يمثل أكبر شركات سيليكون فالي في واشنطن.
تسهيل عمل شركات التكنولوجيا الأمريكية في السوق الصينية قد يكون من الصعب قبوله في بكين. قال عضو في مجموعة ضغط للأعمال بعد المحادثات، "يستطيع ممثل التجارة الأمريكي الضغط بقوة بقدر ما يريد فيما يتعلق بهذه القضايا الرقمية، لكن الصينيين قد لا يتراجعون، فهم لن يوافقوا على أي شيء قد يظهرهم وكأنهم قد استسلموا".
عندما بدأت المحادثات التجارية الرسمية في أيار (مايو) الماضي، قال فريق ليو في البداية إن التنازلات فيما يتعلق بالتجارة الرقمية ستكون مستحيلة، بسبب مخاوف الأمن القومي الصيني.
في الوقت الذي تعثرت فيه المحادثات في منتصف كانون الثاني (يناير) من العام الحالي، أشار مسؤولون صينيون إلى أن بعض التحرير في القطاع قد يكون ممكنا.
بعد ذلك بفترة وجيزة، عقد الرئيس تشي اجتماعا رفيع المستوى للتحذير بشأن التهديدات الأجنبية والمحلية للاستقرار الاجتماعي في الصين، ما يقلل من مساحة المناورة أمام المفاوض التجاري الصيني.
التوترات بين البلدين بشأن شركة هواوي لشبكة الاتصالات الصينية المثيرة للجدل، التي هاجمتها إدارة ترمب باعتبارها تهديدا أمنيا، يمكن أن تكون مثيرة للمشاكل أيضا.
قالت سام ساكس، زميلة مختصة بالأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي في الصين لدى مؤسسة أمريكا الجديدة، "لا يبدو من المنطقي أن تتنازل بكين عن هذا، بينما ندير حملة عالمية لمنع التعامل مع شركة هواوي".
وأضافت: "ما الذي يمكن أن يدفع الصين لتقول: هيا، دعونا نفتح أبوابنا لمزيد من الخدمات السحابية في الصين؟".
إن الصينيين قد يكونون أكثر انفتاحا للتسوية بشأن حركات البيانات، بالنظر إلى بحث بعض الشركات العالمية المتوسعة في الصين، عن طرق لنقل البيانات إلى الخارج.
على الجانب الأمريكي، ليس من الواضح ما إذا كانت إدارة ترمب ستبذل جهدا خاصا لتأييد أجندة شركات التكنولوجيا الكبيرة، بالنظر إلى رد الفعل السياسي في الولايات المتحدة ضدها من الجمهوريين وبعض الديمقراطيين.
مع ذلك، فإن ما جرى خلال إعادة التفاوض بشأن اتفاقية نافتا مع كندا والمكسيك، هو أن لايتثايزر قد تكفل في الغالب بتأمين ما كان قطاع التكنولوجيا الأمريكي يبحث عنه.
يبقى سيليكون فالي مكونا رئيسا للشركات الأمريكية، لذلك فإن عدم منحه أي مكاسب قد يضعف الحماس لأي صفقة بين بعض رجال الأعمال والساسة.
قال عضو آخر في مجموعة ضغط للأعمال بعد المفاوضات، "من الأفضل أن يحصل المفاوضون الأمريكيون على أكبر قدر يستطيعون الحصول عليه، من فم التنين الصيني، وإلا فإن الصفقة سيكون مصيرها المحتوم الانهيار لا محالة".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES