الاتفاق على «رفع وتثبيت الأسعار»

|
كاتب ومستشار اقتصادي


شهرت الهيئة العامة للمنافسة الأسبوع الماضي بأحد مطاعم الوجبات الشعبية المشهورة في مدينة الرياض، وغرمته خمسة ملايين ريال، مع نشر إعلان الحكم على نفقته؛ نتيجة الاتفاق مع عدد من المنافسين على رفع وتثبيت الأسعار.
التشهير والغرامة للمطعم المعروف لم تكن الأولى، فقد سبق للهيئة أن أعلنت الشهر الماضي معاقبة مطعم كبير آخر يعمل في المجال نفسه بمبلغ 1.4 مليون ريال لسبب مخالفة المطعم الأول نفسه، وشهرت به كذلك على حسابه، ويبدو أن المطعمين هما اللذان يقودان حملة رفع وتثبيت الأسعار في السوق، وإن كان تغريمهما والتشهير بهما جاء في حكمين منفصلين.
بالتأكيد، جهد هيئة المنافسة جيد ومشكور، لكنه غير كاف فلا يزال ينتظر منها الكثير؛ لأن الاتفاق على رفع وتثبيت الأسعار يبدو منتشرا في السوق بقوة، فرغم انخفاض مدخلات الإنتاج أو انخفاض دخل المستهلك نتيجة بعض القرارات الحكومية التي قلصت دعم الكهرباء والبنزين وغيرهما، إلا أن الأسعار عندنا مع الأسف لا تعرف غير طريق الارتفاع، أما طريق الانخفاض فقد وضع فيه بعض التجار عقبات كثيرة وعديدة، ومنها الاتفاق فيما بينهم على رفع وتثبيت الأسعار.
اقتصاديا، ما حصل من المطعمين، خصوصا الثاني لقوته، يعرف بالاحتكار الناشئ عن سلوك الشركة القائدة في القطاع Leader company monopoly، فلو أن من اتفق على رفع وتثبيت الأسعار مطعمان صغيران لربما ما انتبه لهما أحد، لكن حينما تتفق وتبدأ الشركة القائدة في القطاع برفع وتثبيت الأسعار فكل المطاعم الصغيرة ستقلدها؛ لأن تسعيرها لمنتجها تابع أو انعكاس لتسعير الشركة القائدة، وهذا ينقص في رفاهية المستهلك؛ لأن سوق المنافسة تحول لسوق احتكار؛ رغم ما يظهر من كثرة المنشآت بسبب سلوك الشركة الكبرى فيه.
المطالبات على شبكات التواصل الاجتماعي كانت بإغلاق المطعم لفترة معينة "أسبوعا أو نحوه، وتزيد الفترة مع تكرر المخالفة"، إضافة إلى المطالبة بوضع سبب الإغلاق على مدخل المطعم طوال فترة إغلاقه، إلا أن نظام المنافسة مع الأسف لا يتضمن في عقوباته إغلاق المنشأة، وشخصيا أرى ذلك نقصا في النظام؛ فعقوبة إغلاق المنشأة يجب أن تكون متاحة على أن يتم استخدامها بضوابط معينة؛ كتكرار المخالفة أو الإخلال بالمنافسة مع ارتكاب مخالفة أخرى كالغش التجاري أو التستر التجاري أو غيرهما من المبررات، "يتم حاليا إغلاق المنشأة في حالة الغش التجاري، والقصد أن يتم الإغلاق لفترة أطول لو اجتمعت مخالفتان على المنشأة".
بالطبع، هناك تحسن جيد في الدفاع عن مصالح المستهلكين في المملكة في السنوات القليلة الماضية قاده الوزير توفيق الربيعة، واستمر عليه اليوم خلفه في وزارة التجارة ماجد القصبي فيما يخص مكافحة الغش التجاري، وأعلن منذ فترة انطلاق حملة تضم ثمانية أجهزة حكومية للقضاء على التستر التجاري، وإن كان عملها لم يشاهد لليوم لأسباب مجهولة لي ولكثيرين مثلي، رغم الهالة الإعلامية الكبيرة التي صاحبت انطلاقتها.
هذا التحسن قد لا يشعر به الجيل الجديد، لكن الجيل الذي عاصر العبارة الشهيرة الكئيبة "البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل"، لا بد وأن يكون ممتنا للخطوات والإجراءات التي شهدتها السنوات القليلة الماضية للدفاع عن مصالحه ورفاهيته وحقوقه، وإن كانت غير كافية ولا يزال المواطن يتطلع إلى المزيد.
ومع أهمية أن تقوم الهيئة بخفض الأسعار التي تم رفعها وتثبيتها ولا تكتفي بالغرامة فقط حتى يكون عملها مفيدا للناس، تبقى نقطة أخيرة، وهي أن الأسعار بشكل عام في سوقنا أعلى من الدول المجاورة، وللمثال فإن فاتورة مكالمات الجوال وتكلفة الطيران واستقدام العاملات وغرف الفنادق وحملات الحج والعمرة... إلخ، عندنا أغلى بدرجة مبالغ فيها مقارنة بدول الخليج المجاورة.
وحتى لا نظلم الشركات ولا يحصل غبن للمستهلك أرى ضرورة إنشاء مركز صغير في هيئة المنافسة يقوم بالدراسات المقارنة للأسعار بين سوقنا والأسواق المماثلة عربيا ودوليا، وأن يصدر تقارير دورية تناقش على مستوى المسؤولين والمتخصصين، ومتأكد أن مثل هذه المقارنات ستعطينا صورة واضحة عن الممارسات التي تتم في سوقنا، وستعطي الجهات المعنية فرصة الرقابة والمتابعة والمحاسبة فيما لو كانت أسعار سلعة أو خدمة مرتفعة لسبب غير طبيعي ولا منطقي، وسلامتكم.

إنشرها