متى «سيتقاعد» النفط؟

|


قد يكون عنوان مقالنا غريبا ومحيرا بعض الشيء، أو قد يراه البعض مريبا. هذا من حقهم.
ولكنني توصلت إلى هذا العنوان وجعلته مادة مقالنا لهذا الأسبوع، بعد ورود تقارير في الصحافة العالمية أخيرا بأن الفحم الحجري في طريقه إلى "التقاعد".
والفحم الحجري ركن أساس من أركان الوقود الأحفوري، وكان لفترة طويلة سلعة استراتيجية، رغم أن أهميته لم تصل إلى ما للنفط من مكانة في عالم الطاقة.
والنفط وقود أحفوري أيضا. فإذا كان الفحم الحجري بلغ من العمر عتيا واستحق الإحالة للتقاعد، فعلينا أيضا أن نعد العدة لليوم الذي قد يحال فيه النفط للتقاعد أيضا.
استخدام لغة استعارية - كما وضحنا في مقال سابق – عند التطرق لشؤون المال والاقتصاد والعملات والسلع، صار واحدا من الأركان الأساسية في الكتابة الصحافية التي تغطي هذه الشؤون.
"الفحم الحجري في الطريق صوب التقاعد"، كان أحد العناوين البارزة إيذانا بأن عهد هذا الصنف من السلع الهيدروكربونية قارب النهاية.
ويضع لنا الاقتصاديون فرضيات جرى التحقق منها حول كيف ولماذا تزدهر تجارة سلعة ما؟ وكيف ولماذا تندثر؟ وتبرز بينها فرضيتان مهمتان ترافقان بزوغ ومن ثم أفول الخدمات والسلع؛
الأولى تتعلق بالابتكار والإبداع. كل إبداع وابتكار جديد يخلخل ما قبله.
الثانية تتعلق بالأسعار؛ يخلخل أو يزيح الابتكار الجديد ما قبله في حالة تكافؤ الاستفادة والمنفعة لسلعة ما عند خفض سعر التكلفة والتشغيل، مقارنة بما هو متوافر. وإن زادت نسبة الاستفادة والمنفعة من الابتكار الجديد أو السلعة الجديدة، وتمكنت من الوقوف على قدميها مع انخفاض السعر، عندها نطرح السلعة أو الخدمة السابقة جانبا.
وحسب مراكز أبحاث الطاقة، فإن الطاقة المتجددة متمثلة في الشمس والرياح والمياه صارت أقل تكلفة، وأكثر إبداعا وابتكارا ومنفعة من نحو 75 في المائة من الطاقة التي ينتجها الفحم الحجري.
وبمعنى آخر، فإن الاستثمار في الرياح والشمس والماء لتوليد الطاقة أكثر استدامة ونفعا وأقل تكلفة من الاستثمار في مناجم الفحم. وكي نكون أكثر دقة، فإن بناء محطة طاقة كهربائية تشتغل على الفحم صار أكثر كلفة من بناء محطة كهربائية تشتغل على الشمس أو الرياح.
وإن أخذنا توقعات دراسات رصينة في عين الاعتبار، فإن الفحم الحجري سيخرج من الخدمة كمصدر للطاقة في الدول الغربية، وستحل محله مصادر متجددة مثل الشمس والرياح بعد نحو ست سنوات من الآن.
الإبداع والابتكار في التوربينات التي تشتغل على الرياح والمياه والألواح التي تنتج الطاقة من الشمس وانخفاض أسعارها، مقارنة بمحطات توليد الطاقة التي تستند إلى الفحم الحجري سيمكن الدول الصناعية من ادخار الأموال وتقليل النفقات.
وحسب آخر تقرير عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA فإن الابتكارات الجديدة في الطاقة المتجددة قد أخرجت نحو نصف مناجم الفحم في أمريكا من الخدمة.
خروج الفحم الحجري من معادلة الطاقة، رغم دلالاته الكثيرة، لن يكون له تأثير مباشر في مصادر الطاقة الأحفورية الأخرى مثل النفط والغاز. بيد أن على الدول المنتجة للنفط أن تأخذ من "تقاعد" الفحم الحجري درسا لما قد يخبئه لها المستقبل. توجد احتياطيات الفحم الحجري بكميات وفيرة في الدول الغربية الصناعية، وهي تعد من أكثر دول العالم إنتاجا له. مع ذلك، لم تقاوم هذه الدول مسار تحقق الفرضيتين في مستهل المقال حول الابتكار والإبداع والأسعار.
وهذه الدول ذات اقتصادات متنوعة لا تستند إلى سلعة أو خدمة محددة، عكس أغلب الدول النفطية التي تشكل واردات تصدير النفط ومشتقاته عماد اقتصادها.
"تقاعد" الفحم الحجري لم يؤثر سلبا في ميزان مدفوعات الدول الصناعية. على العكس نحن أمام ابتكارات وإبداعات في مجال الطاقة المتجددة.
والدول الغربية في سباق مع الزمن للوصول إلى وضع تتمكن فيه من إنتاج كل الطاقة التي تحتاج إليها من مصادر الطاقة المتجددة، وتتبارى في الاستثمار في هذا المضمار.
فمتى "سيتقاعد" النفط بعد ضمور دور الفحم الحجري، يا ترى؟
لا أظن أنه في إمكان أي مختص أو عالم التنبؤ عن المستقبل الذي ينتظر النفط.
النفط لا يزال سلعة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنه في المستقبل، في أقل تقدير المنظور منه، ولكن الحذر واجب ولا سيما من قبل الدول المنتجة التي حتى الآن لم تتمكن من تنويع اقتصادها.
وكمؤشر على أهمية الطاقة الأحفورية فإن الاستثمار في هذا القطاع لا يزال جذابا ومهيمنا على الاستثمار في القطاعات الأخرى. ووفق تقرير صدر عن مجموعة الصيرفة وتبدل المناخ يظهر أن 33 مصرفا عالميا قدمت تمويلا يصل إلى 1.9 تريليون دولار منذ عام 2015 لشركات النفط والغاز.

إنشرها