FINANCIAL TIMES

تجاذبات تحرم «أمازون» من تذوق «التفاحة الكبرى»

عندما التقى ستيوارت أبلباوم بثلاثة من كبار التنفيذيين في شركة أمازون في مكتب المحافظ أندرو كومو، لم يكن لديه أي سبب للشك في أن شركة التجزئة العملاقة ما زالت في الطريق إلى نيويورك.
أمضى أبلباوم، رئيس اتحاد البيع بالتجزئة والجملة والمتاجر العامة – الذي كثيرا ما ينتقد شركة أمازون – أكثر من ساعة في مناقشة قضايا العمال المتعلقة بخطط شركة أمازون لبناء مقر رئيس في كوينز تابع للإدارة العامة. وظن أن الاجتماع سار على ما يرام.
قال أبلباوم متذكرا ما حدث: "غادرنا المكان مصافحين بعضنا البعض. قلت: إنني أتطلع إلى العمل معكم في المستقبل. إذا كان لديهم أي دليل على أن هذا كان سيحدث اليوم، فلا بد أنهم أفضل ممثلين في البلاد. لم يكن هناك أي مؤشر على ذلك بأي شكل من الأشكال".
مثل أبلباوم، كان كثير من سكان نيويورك يهزون رؤوسهم عجبا في أعقاب إعلان شركة أمازون المذهل في اليوم التالي، بأنها قد ألغت خطط استثمارها في "التفاحة الكبرى".
بموجب صفقة دافع عنها كومو، قدمت المدينة والولاية حوافز ضريبية بقيمة ثلاثة مليارات دولار، لاجتذاب شركة كانت ستجلب نحو 25 ألف وظيفة و27 مليار دولار من عائدات الضرائب خلال العقدين المقبلين.
وجه القرار ضربة مؤلمة لحملة بدأت في عهد العمدة مايكل بلومبيرج، في أعقاب الأزمة المالية في عام 2008، لتحويل نيويورك من مدينة تعتمد على بورصة وول ستريت والعقارات، إلى واحدة من المدن الرائدة عالميا في مجال التكنولوجيا.
تتدفق شركات التكنولوجيا مثل "جوجل" و"فيسبوك" على نيويورك، للسبب نفسه الذي جعل "أمازون" تختار المدينة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، على مئات المدن المنافسة في مسابقة غير عادية على مستوى الولايات المتحدة لوفرة المواهب فيها.
ومع ذلك، فإن الداعمين المدنيين الذين اعتبروا التزام شركة أمازون بمنزلة تأكيد على ذلك، أخذوا يشعرون فجأة وكأنهم فقدوا عزيزا نتيجة انسحاب الشركة.
قالت كاثي وايلد، رئيسة الشراكة لدى مجموعة إن واي سي NYC: "أعتقد أنه سيكون لذلك تأثير سلبي فيما يتعلق بالتسويق والفرصة الاقتصادية على الأمد القصير لنيويورك".
أصدر سيث بينسكي، الرئيس السابق للتطوير الاقتصادي لدى وكالة بلومبيرج، وهو الآن تنفيذي أعلى في شركة آر إكس آر ريليتي RXR Realty، تحذيرا مشؤوما قال فيه: "إن معارضي شركة أمازون الذين يحتفلون اليوم بخروجها يحسن بهم أن يفهموا أنه على الرغم من صعوبة التعامل مع التحديات المرتبطة بالنمو، فإن التعامل مع التحديات المرتبطة بانسحاب شركة أمازون أصعب بكثير".
خيبة الأمل لم تقتصر على الجناح التنفيذي. جاري لاباربيرا، زعيم مجلس تجارة المباني والإنشاءات، وهي مجموعة تضم اتحادات شركات الإنشاء، كان يتوقع أن يسفر نقل مقر شركة أمازون عن إتاحة خمسة آلاف وظيفة للفنيين في المجموعة – ناهيك عن كثير من العمل على مشاريع تطوير عقارية أخرى تنتشر في مكان قريب.
وقال لاباربيرا بيأس: "المضاعف الاقتصادي لهذا لا يحصى".
السؤال الذي كان يفكر فيه هو وكثير من الآخرين هو: كيف تمكنت المدينة من تبديد جائزة كانت قد فازت بها بشق الأنفس، التي كانت تبدو مضمونة قبل أيام؟ يبدو أن هناك جناة في جميع الاتجاهات.
حتى حلفاء شركة أمازون ألقوا باللوم عليها في استراتيجية اتصالات غير قادرة على إدراك جوانب الأمور وعدم القدرة على – أو عدم الرغبة – في الانخراط مع السكان المحليين.
في الأيام الأخيرة، انتقد كومو علنا الشركة بسبب رسائلها السيئة. مستشار في نيويورك كان أكثر صراحة، حيث قال عن عملاقة التكنولوجيا: "نهجهم سيئ للغاية في اكتساب الأصدقاء".
وضعت شركة أمازون ثقة كبيرة في كومو دون أن تخطب ود السياسيين المحليين المؤثرين. بعد إجراء المفاوضات في سرية، كافحت الشركة وحلفاؤها بعد ذلك للقضاء على الشكوك، بأن الحوافز الضريبية التي تبلغ ثلاثة مليارات دولار ليست، كما يدعي النقاد، بمنزلة دفعة مقدمة إلى واحدة من أغنى الشركات في العالم.
كان هناك اعتراف واسع بأن كثيرا من المسؤولية تقع على عاتق نيويورك نفسها، حيث قال النقاد إن كومو، حاكم الولاية المعروف بمقدرته على الحصول على ما يريد، فشل في حشد الدعم، وكان عمدة نيويورك بيل دي بلاسيو، إما غائبا أو غير مفيد، في هذا الصدد.
قبل كل شيء، يتعرض الحزب الديمقراطي في الولاية للتوتر بسبب صعود جناح تقدمي بقيادة النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وهو جناح مدفوع بالحماسة بسبب المخاوف من تحسين الأحياء على حساب الطبقة العاملة، ويميل إلى النظر إلى الشركات الكبرى بارتياب.
"كثير من هذا يرجع في الواقع إلى النائبة كورتيز"، كما لاحظ تنفيذي محلي تعامل بشكل مكثف مع شركة أمازون ومسؤولين حكوميين، في إشارة إلى هذه النائبة البالغة من العمر 29 عاما باسمها المختصر. "هذه بالتأكيد لحظة ألكساندرا أوكاسيو كورتيز AOC". لو لم تصدم أوكاسيو كورتيز المؤسسة الحزبية الديمقراطية في حزيران (يونيو) الماضي، بإطاحة جو كراولي، ممثلها لفترة طويلة عن كوينز في معركة أولية، فإن كثيرا منهم مقتنعون بأن شركة أمازون كان ستواصل طريقها نحو نيويورك.
وقالت إحدى الشركات المطورة المحلية: "جو كراولي كان يسيطر حقا على المسؤولين المنتخبين في كوينز بطريقة ما، وكان أكثر اعتدالا".
وبينما كان كومو ودي بلاسيو يحتفلان بالشركة في مؤتمر صحافي بهيج في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بدت أوكاسيو كورتيز على الفور مرتابة في الموضوع.
في سلسلة من التغريدات، تساءلت عن مقاومة شركة أمازون للعمل المنظم، وسألت عن عدد السكان المحليين الذين سيستفيدون فعليا من الوظائف البالغ عددها 25 ألف وظيفة، تعد شركة أمازون بتوفيرها.
بدأ السكان الشباب والمنظمون على مستوى القاعدة الشعبية – كثيرون موالون للسيدة أوكاسيو كورتيز والاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا – ينتشرون عبر كوينز. بدأت تظهر كتابات على الجدران ونشرات عليها "لا لشركة أمازون".
عندما بدأت الصفقة في التراجع الأسبوع الماضي، ألقى كومو باللوم على السياسيين المحليين لمحاولتهم إنقاذ أنفسهم. ومع ذلك، حافظ معسكره على ثقته بأن هؤلاء السياسيين – بعد بعض المواقف الاستعراضية – سيأتون إلى الطاولة ويبرمون صفقة.
يبدو أن شركة أمازون أخذتهم جميعا على حين غرة. قال أحد مساعدي كومو عن السياسيين: "هذا غير مقصود بشكل واضح. لم يكونوا يقصدون أن يحدث هذا. مجلس المدينة، ومجلس الشيوخ – بالغوا في تقدير قوتهم".
إذا كان الأمر كذلك، فمن أهم هؤلاء المشرعين مايكل جياناريس، عضو مجلس الشيوخ في الولاية عن منطقة كوينز، الذي كان قد وقع رسالة قبل عام يشجع فيها شركة أمازون على المجيء إلى المنطقة، بيد أنه أصبح بعد ذلك أحد نقادها البارزين. قال عدد من الأشخاص المطلعين على مداولات شركة أمازون إنه جاءت لحظة مهمة في الأسبوع الماضي، عندما تم تعيين جياناريس في هيئة رقابة تابعة للولاية، ما منحه إمكانية استخدام حق النقض على الصفقة.
وقال هؤلاء الناس إن تعيينه وافق عليه أندريا ستيوارت-كازينز، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ في الولاية، ما أقنع الشركة بأن معارضة خططها أعمق مما كانت تتصور.
أصر جياناريس على أنه لم يكن على دراية بالحوافز الضريبية البالغة ثلاثة مليارات دولار عند توقيعه على الرسالة. في مكتبه في كوينز، وجه اللوم إلى شركة أمازون.
وقال: "لنكن واضحين، شركة أمازون لم تكن بحاجة إلى مبلغ الدعم المذكور لكي تعمل. كان هذا ابتزازا، ببساطة وبدون مواربة. شركة أمازون هي أكبر شركة في البلاد مع وجود أغنى رجل على رأسها. هم لم يكونوا بحاجة إلى مبلغ المليارات الثلاثة من طرفنا، لقد قرروا ابتزازنا وتهديدنا بهذا المبلغ". رفض جياناريس الطلبات من التنفيذيين في شركة أمازون للاجتماع لمناقشة الصفقة – على الرغم من أنه اشتكى قائلا: "جزء من المشكلة كان سرية هذا الأمر برمته، وعندما تجرأنا على القول :هل يمكننا الحصول على بعض الإجابات؟ غادروا".
في الشوارع، قال رافائيل خوسيه إنه وغيره من الناشطين المناهضين لشركة أمازون شعروا بالثقة من أن الجمهور يقف إلى جانبهم أثناء شنهم حملتهم. وتساءل عما إذا كانت شركة أمازون تتصل بالناطقين باللغة الإنجليزية من البيض فحسب، عندما أجرت استطلاعات رأي مدعية أن أكثر من 70 في المائة من سكان كوينز يؤيدون وصولها.
وقال خوسيه، أحد أعضاء أحياء كوينز المتحدة: "نعرف حقيقة أن هذه المنطقة تشهد كثيرا من التحسين على حساب الطبقة العاملة والتهجير، وهذا هو أكبر مصدر قلق لكثير من الناس".
بصفته سمسار عقارات، رأى خوسيه عائلات تفر من كوينز إلى لونج آيلاند بسبب ارتفاع أسعار العقارات في السنوات الأخيرة.
أشعلت أخبار وصول شركة أمازون حمى مضاربات أخرى، ما أسعد الملاك وأصحاب العقارات، لكنها أثارت أعصاب الشركات والمقيمين المستأجرين، الذين كانوا في الأصل يخشون من الاضطرار إلى الخروج من الحي.
وقال خوسيه، وهو مؤيد متحمس لأوكاسيو كورتيز - والآن لجياناريس: "كانت الشركات الصغيرة خائفة للغاية". وقال إنه على خلفية هذه المخاوف، فإن نداءات شركة أمازون للرخاء لم تكن تعني شيئا يذكر. وخلص إلى القول: "كل شيء يتعلق بالعقارات".
وفي حين احتفل هو والناشطون الآخرون بانسحاب شركة أمازون، إلا أن فرحتهم لم يشاركها الجميع بأي حال من الأحوال. في السنوات المقبلة، سيتعين على السياسيين الذين عارضوا الصفقة مواجهة الناخبين مثل وليم تشانج، الذي أعرب عن أمله في أنه ربما لا يزال من الممكن إنقاذ الصفقة. اعتمادا على الكيفية التي سيكون عليها الاقتصاد في السنوات المقبلة، قد تبدو عملية صد شركة أمازون أقرب إلى الحماقة منها إلى الشجاعة.
قال تشانج، أحد أصحاب المنازل في منطقة وودسايد في كوينز، الذي يعمل سائقا على سيارة أوبر في المدينة قال لي: "يجب أن يعمل كومو ودي بلاسيو على إنقاذ الصفقة؛ لو كنت مكانهم سأفعل ذلك. الفوز بشركة أمازون لإقامة متجر في مدينة نيويورك أمر رائع – وخسارة شركة أمازون حين تكون قد فزت بها، فإن هذا نقش لا ترغب في أن يكون مكتوبا على شاهد قبرك".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES