التحدي الثقافي للعالم «السوبر - سيبراني» .. سلوك الإنسان «1من 2»

|

لعل أشهر تعريف للثقافة هو ذاك الذي طرحه "إدوارد ب. تيلور Edward B. Taylor" في القرن الـ19 للميلاد. يقول هذا التعريف: "إن الثقافة هي جملة من المكونات المعقدة التي تشمل: المعرفة، والمعتقدات، والفنون، والأخلاق، والتشريعات، والأعراف، وأي إمكانات وعادات اكتسبها الإنسان في مجتمعه". وانطلاقا من هذا التعريف نستطيع أن نقول إن هناك "ثوابت" في ثقافات المجتمعات، وإن هناك أيضا "متغيرات". على رأس الثوابت تأتي "المعتقدات"، وعلى رأس المتغيرات تبرز "المعرفة" في شتى المجالات، تطورا وتجددا وتراكما، خصوصا في مجال تقنيات المعلومات الرقمية وتطبيقاتها التي تفرز تنافسا عالميا متواصلا في عالم بات يلقب بالعالم "السيبراني" أو حتى "السوبر - سيبراني".
في هذا العالم تتحكم، "التقنية الرقمية" في شؤون الإنسان أينما كان، ويشهد هذا التحكم زيادة مطردة، ويتمثل في خدمات تقدم إليه في مختلف نواحي الحياة. ويزداد تأثير هذه الخدمات مع الإبداع والابتكار وتراكم "المعرفة"، وتفعيل توظيفها في تطوير إمكانات التقنية الرقمية وتجديدها، وتقديم معطيات متقدمة تعمل على "محاكاة ذكاء الإنسان، وأتمتة مختلف الأعمال والمهمات". وهكذا يجد الإنسان نفسه مع التقنية الرقمية أنه أمام معرفة حية تقدم له وسائل تقنية متجددة، تتميز في أنها تقدم إليه خدمات معلوماتية وخدمات آلية تتميز بالذكاء من جهة، وتوفر له تلقي أنهار بل سيول من المعلومات التي تحمل معارف مختلفة في شتى المجالات بينها الغث وبينها الثمين من جهة أخرى. في الثمين من هذه المعارف خير كبير يحدث الإبداع والابتكار والعطاء، وفي الغث خطر كبير يقتل الوقت دون فائدة، ناهيك عن الآثار السلبية التي يحملها. ولأن "المعرفة" تتغير وتتنامى باستمرار، فإن ذلك ينعكس على كثير من "إمكانات" الإنسان و"عاداته"، وعلى "الفنون" التي قدمها، و"الأعراف" التي يعتاد عليها في أسلوب حياته. وهكذا يجد الإنسان نفسه أمام معطيات ثقافية مختلفة؛ صحيح أن "ثوابت" الثقافة تبقى في الجذور تعززها أصالة النشأة، لكن "المتغيرات" عبر معطياتها الجديدة تقود إلى متطلبات تمثل تحديات ينبغي الاستجابة لها. ولأن "سلوك" الإنسان ينبع أساسا من "ثقافته"، فإن التغير في الثقافة لا بد أن ينعكس على هذا السلوك. لكن هذا الانعكاس ربما يختلف بين شخص وآخر، تبعا للمعرفة الثقافية التي يكتسبها، وتبعا لوعيه وإمكاناته الفكرية، وقدرته الإدراكية على "التفكير" والتمييز، والتزامه تجاه ذاته وأسرته وعمله، بل ومجتمعه وأمته أيضا. على أساس ما سبق يمكن القول إن البيئة المعرفية المتجددة التي يشهدها العالم باتت تسبب "تحديات ثقافية" للمجتمعات لا بد من محاولة التفكير فيها، وإيجاد متطلبات للتعامل معها، من أجل مستقبل نريده مشرقا بمشيئة الله.
هناك تحديات ثقافية عديدة يطرحها العالم "السوبر-سيبراني" على "الإنسان" أينما كان، وعلى "الوحدات الاستراتيجية" التي يرتبط بها. وتأتي هذه التحديات نتيجة للمعطيات المتجددة التي قدمها؛ وتتطلب وعيا بها واستجابة مناسبة لها. وتتمثل هذه الاستجابة في سلوك مناسب يعود بالخير على العالم المترابط عبر هذه المعطيات. ولعله يمكن القول إن هذه التحديات ترتبط بثلاثة مستويات رئيسة: مستوى العلاقات الدولية وثقافة الدول وسلوكها في تعاملها مع الدول الأخرى؛ ومستوى الدول ومؤسساتها ومواطنيها وسلوك التعامل فيما بينهم؛ إضافة إلى تحديات على مستوى الإنسان وسلوكه في التعامل مع الآخرين.
لعل "سلوك الإنسان" هو المصدر الرئيس لسلوك الوحدات الاستراتيجية كافة، وعلى ذلك فإن الوعي "الثقافي" للإنسان مقرون بالتزامه "السلوكي" يمثلان الاستجابة الرئيسة للتحدي الثقافي للعالم "السوبر- سيبراني". وسنطرح فيما يلي تحديين ثقافيين رئيسين للعالم السيبراني على الإنسان الفرد وسلوكه. التحدي الأول هو تحدي "الثقافة العلمية" المناسبة لمعطيات العصر وخدماته؛ أما التحدي الثاني فيتعلق "بالثقافة الاجتماعية" المطلوبة "لسلوكيات التعامل" مع الآخرين عبر هذه المعطيات والخدمات.
باتت "الثقافة العلمية" ضرورة في هذا العصر، ليس فقط في إطار موضوعات العالم "السوبر-سيبراني" والتقنية الرقمية ومنجزاتها المتجددة، بل في إطار الموضوعات الرئيسة الأخرى للثورة الصناعية الرابعة أيضا، بما يشمل "تقنية النانو، والتقنية الحيوية، وغيرها". فالثقافة العلمية في هذه الموضوعات ومتابعة تطورها تمكن الناشئة من اختيار مسيرتهم المستقبلية، كما تساعد العاملين أيضا على التوجه نحو تعزيز مؤهلاتهم وإثرائها بالاستجابة لمتطلبات العمل المهني المتجددة، خصوصا مع ما يمثله "الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الأتمتة في مختلف المجالات" من تحدٍّ للإنسان في سوق العمل. إضافة إلى ذلك فإن هذه الثقافة تساعد الإنسان على الاستخدام الفاعل للوسائل التقنية الرقمية التي قدمها العالم "السوبر-سيبراني"، والاستفادة منها على أفضل وجه ممكن؛ كما تمكنه من تجنب المشكلات التي يمكن أن تنتج عن ذلك، مثل المشكلات التي تهدد "الأمن السيبراني"، وتسعى إلى اختراق "خصوصية الإنسان". ونأتي إلى "الثقافة الاجتماعية" المطلوبة لسلوكيات التعامل عبر معطيات التقنية الرقمية وخدماتها. ولنا في إطار ثقافة التعامل هذه "جذور أصيلة ثابتة"؛ فنحن أمة من قال "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وعلى ذلك، فإن "الأخلاق" يجب أن تكون حاضرة دائما في "سلوك الإنسان" و"تعامله مع الآخرين" عبرها. ويمكن في هذا المجال طرح مسألتين مهمتين. تتعلق الأولى بالالتزام بعدم "اختلاق معلومات" لا أساس لها، أو تشويه "معلومات قائمة"، أو تقديم "معلومات مسيئة"، ونشر ذلك عبر الإنترنت. أما الثانية فترتبط بصياغة "لغة الحوار" والتواصل عبر الإنترنت، بأسلوب رصين، فاللغة مرآة تمثل أصحابها، ناهيك أيضا عن أن تكون موضوعية المضمون تخاطب العقل بالأدلة وتتوخى الحكمة في النتائج وتبتعد عن الانحياز إلى الهوى.
نحن أمام تغيرات معرفية ووسائل تقنية متجددة في العالم "السوبر-سيبراني" الذي يحيط بنا، تحمل معها "تحديات ثقافية" تشمل نواحي "علمية" نحتاج إلى إدراكها في توجهنا نحو المستقبل، وتتضمن جوانب "اجتماعية" تتطلب الاهتمام بها في تعاملنا الحميد مع الآخرين. ولأن سلوك الإنسان يعبر عن ثقافته ويؤثر في حياته وحياة من حوله، فإن اكتساب الثقافة المطلوبة لمواجهة هذه التحديات بات ضرورة من ضرورات العصر. ولا شك أن سلوك الإنسان النابع من ثقافة مناسبة للمتغيرات ورشيدة في التوجهات يعود بالفائدة على الفرد، وعلى المجتمع، بل وعلى العالم بأسره.

إنشرها