FINANCIAL TIMES

تراخي «الاحتياطي الفيدرالي» ينفخ فقاعة إسكان جديدة

كان من الممكن أن يكون لدى هايمان مينسكي يوم حافل مع أرقام التضخم في الولايات المتحدة، الصادرة خلال الأسبوع الماضي.
من بين النقاط الأساسية لفرضية عدم الاستقرار المالي، التي وضعها الاقتصادي الراحل العظيم، أن هناك نوعين من الأسعار: أسعار السلع والخدمات، وأسعار الأصول.
ونتيجة لذلك، يجب أن يختلف التضخم في كلا المجالين. وبالفعل فإن التضخم فيهما مختلف، بشكل ملحوظ تماما.
تظهر أحدث أرقام مؤشر أسعار المستهلك أن معدل التضخم الأساسي، كان أضعف من المتوقع، في شأن الإيجار أو ما يعادل الإيجار المنتهي بالتمليك "بزيادة 0.3 في المائة".
وفي الوقت نفسه، انخفض التضخم في السلع الأساسية بنسبة 0.2 في المائة.
بكل بساطة، هذا يعني أن سوق الإسكان غير متجانسة تماما مع بقية قطاعات الاقتصاد، مرة أخرى. بعد مرور عقد من الزمان على فقاعة الرهون العقارية، يعد الإسكان، الذي لا يمثل مأوى فحسب، بل أيضا أكبر الأصول المالية بالنسبة إلى معظم الأمريكيين، المكون الرئيس الوحيد لمؤشر أسعار المستهلك، بمعدل تضخم يتجاوز باستمرار العدد الإجمالي.
لم هذا؟ لأن السياسة النقدية المتساهلة على مدار الأعوام العديدة الماضية - تماما كما كان يتوقع مينسكي - قد عززت الأصول، إلا أنها لم توفر عرضا جديدا مفيدا أو طلبا كافيا في التشييد وغيره من المجالات، ذات الصلة بالمنازل، بناء على ذلك.
تم توضيح هذه النقطة في ورقة أكاديمية بعنوان "ما الخطأ الذي ارتكبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي في شأن سياسة التضخم وأسعار الفائدة"؟ من مركز ماريو إينودي للدراسات الدولية في جامعة كورنيل.
كما يقول دانييل ألبرت معد الورقة "ما لدينا الآن هو شكل من التضخم لم نشهده من قبل، وهذا كله يتركز في الإسكان".
خلال العقد الماضي، ارتفعت تكلفة السكن بشكل حاد مقارنة بكل شيء آخر، كما يشير التقرير.
لقد سجل أعلى مستوى تاريخي بلغ 81 في المائة من التضخم الأساسي في صيف عام 2017، ولا يزال يمثل "الجزء الأكبر" منه.
لم تكن هناك زيادات متناسبة في الرواتب. متوسط دخل الأسرة المعدل على أساس التضخم لا يزال بالكاد أعلى مما كان عليه في مطلع القرن.
هذا التباين ليس أمرا لم تتهيأ السياسة النقدية، كما هي قائمة الآن، للتعامل معه، بل إنه شيء أفضى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تفاقمه "وإن كان ذلك عن غير قصد"، من خلال خفض أسعار الفائدة والتيسير الكمي، الذي رفع أسعار المساكن في المدن التي ذات وظائف الأجور العالية.
ليس من المستغرب أن الأمريكيين من جيل الألفية يمكثون على أرائك آبائهم، حتى بعد التخرج من الجامعة بأعداد غير مسبوقة، فهم لا يستطيعون تحمل تكاليف امتلاك مسكن، في الأماكن نفسها التي من المرجح أن يجدوا فيها عملا جيدا.
أصبح الوضع برمته أكثر إشكالية بسبب التضخم في منطقة أخرى، التعليم العالي.
بلغت ديون القروض الطلابية في الولايات المتحدة مستوى قياسيا مرتفعا، وبات الكفاح من أجل سدادها كفاحا حقيقيا، 12 في المائة من المقترضين حاليا متأخرون بنحو 90 يوما أو أكثر، عن سداد أقساط قروضهم.
يشير تقرير من "جي بي مورجان" صدر في شباط (فبراير) الماضي، حول تأثير قروض الطلاب في سوق الإسكان، إلى أن سحب القروض الطلابية العالية أدى إلى خروج مليوني شخص من فئة الشباب من السوق، ما أدى إلى انخفاض معدل ملكية المنازل بنسبة 1.5 في المائة.
هذا يعني أنه ليس بوسعهم بناء الثروة، الأمر الذي يثبط الطلب بدوره.
بيل دودلي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، يصف ارتفاع مستويات ديون الطلاب والعجز عن السداد بأنه "عقبة رئيسة" للنمو الاقتصادي في المستقبل.
تعد الشهادة الجامعية المرموقة أصلا ذا قيمة مساوية لقيمة امتلاك عقار مذهل.
سيفعل الأمريكيون أي شيء من أجل الحصول عليها، بما في ذلك الكذب والغش، كما ظهر الأسبوع الماضي في الأخبار المثيرة للقلق، من أن الآباء الأثرياء يدفعون المال إلى الاستشاريين لمنح شهادات مزورة لأطفالهم المدللين.
هل من المستغرب، إذا، أن يكون هناك نوع من التأثير المضاعف بين فقاعتي التعليم العالي وسوق الإسكان؟
أسعار الإيجارات في المدن الجامعية تتجاوز أسعار الإيجارات في المدن الأخرى، ويعزى ذلك جزئيا إلى أن مطوري العقارات الفاخرة، الذين يسعون إلى جذب الطلاب الأثرياء وأولياء الأمور، يعملون على بناء المجمعات السكنية بمرافق راقية مثل الألعاب المائية في الأنهار الصناعية.
الفجوة المسببة للاختلال بين الدخل وأسعار الأصول ليست مشكلة أمريكية فحسب، بل هي مشكلة تمكن ملاحظتها في عديد من الأسواق الدولية أيضا، بما في ذلك هونج كونج ولندن وباريس وسنغافورة.
في الولايات المتحدة ، بدأت أسعار العقارات التي لا يمكن تحملها في التعثر أخيرا، بالذات في مدن الفقاعات العقارية مثل نيويورك، الأمر الذي ينذر تاريخيا بحدوث انكماش على الصعيد الوطني.
الآثار الاقتصادية واضحة. والعواقب السياسية أيضا. تبدو الولايات المتحدة أكثر فأكثر كاقتصاد سوق ناشئة، بمعنى أن أساسيات الحلم الأمريكي - الإسكان والتعليم والارتقاء الاجتماعي – باتت كلها معرضة للخطر.
قد يتطلب هذا إعادة التفكير في السياسة النقدية "يرغب ألبرت في رؤية مجلس الاحتياطي الفيدرالي وهو يبدأ في فصل مكونات التضخم بدقة أكبر، عند صياغة القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة".
على أنه إذا ما أثبتت فقاعة الإسكان أي شيء، فإن ذاك سيعني أن محافظي البنوك المركزية لا يمكنهم إصلاح كل شيء بمفردهم.
فتش عن مرشحي الرئاسة الديمقراطيين مثل إليزابيث وارن، السيناتور من ولاية ماساتشوستس، في اقتراح مشاريع بنية تحتية وسياسات صناعية رئيسة، من شأنها أن تركز على الحوافز المالية أكثر من السياسة النقدية.
الحل واضح لما يبدو على نحو متزايد أنه مثيل لحظة مينسكي.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES