أوروبا تحت وابل حقد خامنئي

|


"اتفاق إيران النووي ليس صكا لانتهاك حقوق الإنسان"
جان إيف لودريان، وزير خارجية فرنسا

حسنا، بعد كل ما قدمه الاتحاد الأوروبي للنظام الإيراني، من تسهيلات ومواقف داعمة له، وتبريرات لسياسة مشينة، وتغطيات لأعمال بائسة، يقف الرئيس الحقيقي للنظام علي خامنئي، ليهاجم علنا هذا الاتحاد، بل ليرفض آلية مالية أوروبية، يمكن أن توفر لإيران تعاملات تلتف مباشرة على العقوبات الأمريكية الأخيرة. خامنئي، الذي تحول البصل في بلاده إلى مادة للسخرية لوصول أسعاره إلى مستويات فلكية، يصف الآلية الأوروبية المشار إليها بأنها "دعابة ثقيلة"، بل مضى أبعد من ذلك بقوله العلني "لا يمكن الوثوق بأوروبا"! ويجب على حكومته أن تقطع الأمل نهائيا بأي مساعدة من الغربيين! لم يجد هذا الإرهابي كلمة لطيفة واحدة ليشكر الأوروبيين على تمسكهم الغريب بالعمل مع بلاده، وبمعاندتهم لأي شكل من أشكال العقوبات على نظام لا يستثمر إلا في الخراب، ولا يأبه لمعاناة شعبه المتجددة.
تستحق أوروبا هذه المعاملة حقا. هي التي وقفت حتى ضد طلبات نواب أوروبيين مؤثرين في الساحة، بإنهاء محاكاة هذا النظام، والتخلص من التبريرات السمجة التي تطلقها من أجل مواصلة هذه المحاكاة. الذي يحدث أن أوروبا الرسمية لا تزال ماضية في هذه الملهاة، بينما عرفت شركاتها ومؤسساتها الحقيقة ومضت في مسار لا يلتقي مع حكوماتها. فهي لا تريد أن تغضب الولايات المتحدة، لأن الأضرار التي ستتعرض لها من واشنطن لا تعوضها أي مكاسب على الساحة الإيرانية، ناهيك عن التداخل المالي والتجاري بين المؤسسات الأوروبية والنظام المالي الأمريكي. ومع ذلك يحاول الاتحاد الأوروبي المضي قدما في عمليات الالتفاف على العقوبات الأمريكية، ليوفر لنظام خامنئي إمدادات مالية لا تذهب إلا للإرهاب والخراب، ولا تدخل في حساباتها الاحتياجات الشعبية في البلاد.
لو أعاد المسؤولون الأوروبيون قراءة خطاب خامنئي بتمعن، لن يعثروا على انتقادات، بل سيجدون حقدا صادقا ضدهم. إنه الحقد الأزلي للمرشد (أي مرشد). ولكنهم ظلوا صامتين، باستثناء تصريح فرنسي يتيم يدافع عن حقوق الإنسان في إيران، بسبب اعتقال المحامية الإيرانية - البريطانية نسرين ستودة. علما بأنهم يعرفون أن حقوق الإنسان، يبقى دائما موضوعا تافها عند النظام الإيراني. فالقتل والقمع والإخفاء القسري والاعتقال وتلفيق التهم، سلوك يومي عاناه الإيرانيون منذ وصول هذا النظام الطائفي إلى السلطة. ماذا قال خامنئي علنا عن أوروبا؟ "الساسة الغربيين يرتدون البزات الأنيقة، وتفوح منهم أرقى العطور، ويرتدون ربطات العنق، ويحملون الحقائب الدبلوماسية، ولكن باطنهم وحشي بالمعنى الحقيقي للكلمة"! كان صادقا بالفعل بمكنونات كراهيته لجهة لم ترد إلا مساعدته!
لا يبدو أن الأمر مهم لدى الاتحاد الأوروبي، فرغم كل هذه الكراهية الصادقة والنيات الواضحة، تم بالفعل في طهران تسجيل آلية جديدة موازية للآلية الأوروبية "إنستكس" تحت اسم معهد التجارة والمالية الخاصة، ستسهل التجارة بين إيران وأوروبا، والعمل على جعلها مؤثرة في مواجهة القيود الناجمة عن العقوبات الأمريكية. ويعرف الجميع، أن العوائد المالية التي ستنتج عن مثل هذه الآلية "إن كتب لها النجاح فعلا"، لن تجد إلا طريقا واحدا يقود إلى استكمال ما أمكن من استراتيجية الإرهاب الإيرانية هنا وهناك، ودعم المنظمات والعصابات التابعة لها، بمن فيها تلك "النائمة" في الحضن الأوروبي. ومواصلة تمويل الحروب في أي مكان تصل إليه، والاستمرار في تنفيذ "وهم المرشد" والنظام الطائفي ككل، بالتوسع والسيطرة والتغلغل السياسي والعسكري وغير ذلك.
يعرف الاتحاد الأوروبي أن شيئا من العوائد المالية للنظام في طهران لن يذهب لتخفيف المعاناة المعيشية عن كاهل المواطن الإيراني، رغم أن التضخم وصل خلال عام واحد إلى 50 في المائة، ما رفع أسعار السلع الأساسية والخدمات بنسبة 47.5 في المائة. هذه أرقام رسمية وليست من جهات معادية. أما التضخم في أسعار المواد الغذائية والمشروبات فقد بلغ أكثر من 73 في المائة! ناهيك عن البطالة المتصاعدة، والانهيار التسلسلي الهائل لسعر صرف التومان، الذي انخفضت قيمته أربعة أضعاف مقابل الدولار والعملات الصعبة خلال عام واحد! ماذا يحدث أيضا؟ ارتفاع كبير جدا لأسعار الواردات من المواد الخام للإنتاج! ورغم وجود بعض الدعم الحكومي، إلا أنه لم يساعد في خفض معدل التضخم.
عوائد الآلية الأوروبية المالية لن تدخل في الموازنة الوطنية الحقيقية الإيرانية. والحكومات الأوروبية تعرف حتى أكثر من غيرها، أن خامنئي يسيطر شخصيا على أكثر من 55 في المائة من اقتصاد البلاد، ويشرف مباشرة على أموال تقدر بأكثر من 100 مليار دولار تستثمر تحت الأرض لجلب العائد الذي يكفل الإنفاق على استراتيجية الخراب. فالمسألة لم تعد تختص بحقوق الإنسان في إيران، وهي بلا أدنى قيمة، بل صارت متعلقة بحقوق الإنسانية، التي تتعرض إلى إرهاب الدولة الإيرانية. إنها مسؤولية لن يستطيع الاتحاد الأوروبي الهروب منها عندما يحاسبه التاريخ.

إنشرها