الدقائق الحاسمة لـ «بريكست»

|


لم يعد الوقت كافيا لأي شيء في المملكة المتحدة حيال خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي "بريكست". التواريخ وضعت، والخطوط معها بصرف النظر عن ألوان هذه الخطوط، وإن كان أغلبها يميل إلى الأحمر القاني. منح الاتحاد الأوروبي بريطانيا مهلة بسيطة لتقرير مصير الخروج التاريخي المشار إليه. مهلة لا تتعدى الأسبوعين، وبعدها على لندن أن تقرر، هل تخرج بلا اتفاق، أو تسعى إلى مخرج جديد آخر من هذه الأزمة، وهذا المخرج يجب أن يقنع الأوروبيين كي يمنحوا بريطانيا مهلة إضافية أخرى، تصل إلى الـ22 من أيار (مايو) المقبل، وإذا ما تطلب الأمر أكثر يمكن منحها حتى نهاية العام الجاري، ولكن عليها أن تخوض الانتخابات الأوروبية، وهو أمر يتعارض مع ما يتمناه المؤيدون للانفصال عن الاتحاد الأوروبي.
المهم: تريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية تواجه مجددا وضعا أكثر من صعب، البعض يصفه بالمستحيل. وعليها خلال الفترة الزمنية القصيرة أن تنهي المسألة عبر حسمها، بصرف النظر عن طبيعة هذا الحسم. هذا الوضع يتجلى على الساحة وسط خلافات حادة جدا داخل الحزب الحاكم بين الساعين إلى خروج سلس من الاتحاد، وبين أولئك الذين يريدون الخروج بأي ثمن أو صيغة كانت. والأمر ليس أفضل كثيرا على صعيد حزب العمال المعارض. فالمشكلات واضحة بين قيادته المتشنجة المتعنتة وبين نواب يسعون لـ"بريكست" أقل إيلاما. ولذلك، انشق عشرة منهم رسميا عن الحزب، وانشق ثلاثة من نواب المحافظين عن حزبهم أيضا، ليشكلوا جميعا ما أطلق عليه بـ"المجموعة البرلمانية المستقلة".
يوم السبت جرت مظاهرة ضخمة في الشوارع المحيطة بالبرلمان البريطاني تطالب بإجراء استفتاء ثان على الخروج، طالما أن السياسيين فشلوا حتى الآن في الوصول إلى صيغة مقبولة لهذا الخروج. ومجلس العموم أطلق عريضة على موقعه الإلكتروني يطلب من البريطانيين التصويت عليها أو رفضها. عريضة تحت عنوان: "هل تؤيد تجميد خروج بريطانيا من الاتحاد؟" في غضون 48 ساعة وصل عدد المؤيدين لهذه العريضة إلى أكثر من أربعة ملايين شخص. وهذه إشارة إلى أن الرأي العام يفضل تأخير الخروج ليس من أجل عدم الانفصال، بل كي تكون هناك مدة زمنية معقولة من أجل التفاوض مجددا، أو العثور على سبل أخرى تضمن خروجا سلسا تحتاج إليه بريطانيا كما يحتاج إليه الاتحاد الأوروبي.
الوقت ينتهي بسرعة فائقة، وعلى الحكومة أن تقرر في غضون ساعات موقفا جديدا آخر، خصوصا في ظل المحاولات الراهنة لسحب ملف الخروج برمته من يدها، ومنحه لنواب مجلس العموم، ما يؤكد أن حكومة ماي لم تعد تسيطر على الموقف، بل إن رئيسة الوزراء نفسها تعاني مشكلات حتى مع بعض الوزراء الذين تقودهم. إن الساعات القليلة المقبلة، ستحدد المصير الحقيقي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما أنها ستشكل وضعا سياسيا جديدا، قد يؤدي إلى استقالة رئيسة الوزراء، بل حتى الدعوة لانتخابات عامة جديدة. وفي هذه الحالة لا مناص من تأجيل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. كثير من نواب مجلس العموم يتحدثون علانية عن ضرورة استقالة الحكومة كلها، بمن فيهم نواب من حزب الحكومة نفسها. إنه مشهد سياسي قلما يحدث على الساحة البريطانية. وفي الأيام المتبقية الحاسمة ستكون هناك تطورات نادرة الحدوث أيضا على هذه الساحة.

إنشرها