المشراق

النقاب ليس عادة سعودية .. عرفه العالم الإسلامي منذ القدم «2 من 2»

كان الحديث في الجزء الأول من هذه المقالة عن نقاب المرأة والبرقع وغطاء الوجه، وما شاع عند بعض من لا يعرف أنه "عادة سعودية"، انتشرت في العالم الإسلامي، بسبب السعوديين. وتبين من العرض السابق أن النقاب معروف قبل الإسلام، ومعروف عند ديانات أخرى، وأن المرأة العربية كانت تلبسه في الجاهلية وبعد الإسلام، واستمرت النساء في ارتدائه في مناطق شاسعة من الدول الإسلامية، وأنه ينتشر في الحواضر العلمية والدينية أكثر من المناطق النائية والصحارى. ودلت النصوص المنقولة على أن النقاب كان معروفا ومنتشرا في أنحاء عديدة من الدول الإسلامية قبل قيام الدولة السعودية. وأغلب النصوص المذكورة في المقالة السابقة تتعلق بالقرون المتقدمة. أما حديث اليوم فيتعلق بالقرون الأخيرة، التي اكتشف خلالها التصوير والتقطت فيها صور كثيرة للمرأة.
وقد استفتحت المقالة السابقة بالقول "ليس لحديث اليوم علاقة بآراء الفقهاء، فهي معروفة ومبسوطة في كتب ومباحث عديدة ومشهورة منذ بداية التدوين حتى اليوم، إنما يقتصر على جانب تاريخي فقط". إذا ما عدنا إلى القرون الأخيرة فإن الأمر لا يختلف، فلباس النساء النقاب والبرقع مستمر، وفي كثير من الحواضر، لا تخرج المرأة من بيتها إلا وقد غطت وجهها.

في مصر

زار المستشرق البريطاني إدوارد وليم لين - الشهير عند المصريين بلقب منصور أفندي - مصر عام 1240هـ/ 1825م، حيث أقام ثلاثة أعوام درس فيها طبيعة مصر الجغرافية وتاريخها، وتأمل في حياة أهلها الاجتماعية والاقتصادية، فخرج من ذلك بكتاب كان سببا في شهرته، عنوانه "طباع المصريين المحدثين وعاداتهم" نشره عام 1836، وتحدث فيه بشكل مفصل عن لباس المصريات، وذكر أنهن لا يخرجن سافرات الوجه، وأنهن يلبسن البرقع الذي يغطي الوجه كله عدا العينين، وأن بعضهن يلبسن الطرحة ولا يكشفن سوى عين واحدة، ثم يضيف "واللافت للنظر عدم تغطية عديد من نساء الطبقة الفقيرة وجوههن على الإطلاق". وهذا الكلام الذي قاله لين يحتاج إلى دراسة لفهم سببه، فلماذا بعض نساء الطبقة الفقيرة هن اللاتي يكشفن وجوههن. ويضيف أيضا وهو يتحدث عن نساء مصر أنه "لزام عليهن أكثر إخفاء الوجه أكثر من أي جزء من أجسامهن". وقد ظل هذا اللباس سائدا في مصر حتى قامت ثورة 1919، ثم بدأ الوضع يتغير شيئا فشيئا.

زينب آل فواز
تعد الأديبة اللبنانية الشهيرة زينب آل فواز العاملي "ت 1332هـ/ 1914م" من رائدات ما عرف بتحرير المرأة في العالم العربي، وقد وجهت لها برثا هونوري بالمر رئيسة قسم النساء في معرض شيكاغو في أمريكا دعوة لحضور المعرض، إلا أنها اعتذرت، فاستفسرت رئيسة المعرض منها عن سبب الرفض وعن الحجاب وسفر المرأة، وبعض العادات الشرقية، فبعثت إليها زينب العاملي عام 1310هـ رسالة جاء ضمنها "وأبدأ أولا بذكر العادات الإسلامية التي نشأنا عليها ونحن نجدها من الفروض الواجبة ونتوارثها فنتلقاها بغاية الانشراح، حتى إن المرأة منا لو أجبرت على كشف وجهها الممنوع عندنا لوجدته من أصعب الأمور، مع أن كشف الوجه واليدين ليس محرما في قول فريق عظيم من العلماء، لكن منعته العادة قطعيا وهي التي توارثناها، إذ إن البنت منا لا تتجاوز الـ12 من سنها إلا وهي داخل الحجاب". وهذا الكلام صدر عن امرأة يعدها البعض أول داعية إلى تحرير المرأة في العالم العربي، ويذكرون أنها سبقت قاسم أمين في دعوته. وقد عاشت زينب العاملي في لبنان ومصر وسورية، وكلامها السابق ينطبق على نساء هذه الدول، وعلى نساء المسلمين عموما في وقتها.

قاسم أمين

يعد كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين من أشهر الكتب في عصره، وقد اختار فيه قاسم أمين الرأي الفقهي الذي يجيز للمرأة كشف وجهها ويديها، لكن يتضح من خلال حديثه أن النقاب وغطاء الوجه منتشر في زمانه انتشارا كبيرا. وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1899.

في بلاد الشام

في عام 1573م زار الرحالة الهولندي ليونهارت راوولف مدينة طرابلس في لبنان، ووصف لباس النساء فقال "وتخفي النسوة وجوههن بالحجب التي يصنعها البعض من الحرير الفاخر، بينما يصنع البعض من شعر الخيل وهذا النوع تستعمله الفقيرات. وهن يغطين رؤوسهن بطرحات مصنوعة من القطن واسعة بحيث تغطي حتى أذرعهن وأكتافهن". وتحدث الدكتور فيليب حتى في كتابه "تاريخ لبنان منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصرنا الحاضر" الذي صدرت طبعته العربية عام 1379هـ/ 1959 عن بعض مدن لبنان مثل بيروت، وطرابلس، وصيدا، وصور، ثم قال "وفي جميع هذه المدن كانت المرأة النصرانية تغطي وجهها بحجاب، كما تفعل المرأة المسلمة".
وطبع نعمان قساطلي كتابه "الروضة الغناء في دمشق الفيحاء" عام 1299هـ/1879م وتحدث في هذا الكتاب عن زي نساء دمشق في وقته فقال "ولا تخرج امرأة من بيتها بدون إزار ويسبلن غالبا على وجوههن المناديل لكيلا يراهن أحد". ويقول المؤرخ عبدالعزيز بن إبراهيم العظمة "1856 - 1943" في كتابه "مرآة الشام وعادات أهلها" عن لباس نساء الشام، "كانت النساء عند خروجهن من دورهن يتأزرن بمآزر بيضاء تسدل إلى وجه القدم، وكن يسترن وجوههن ببراقع، مناديل ملونة لا يرى من ورائها الناظر شيئا، تعلوهن الحشمة والوقار، ولا يجرؤ أحد على الدنو منهن".
وتحدث الشيخ علي الطنطاوي عن بدء السفور في بلاد الشام فقال "وكانت النصرانيات واليهوديات من أهل الشام يلبسن قبل الحرب الأولى الملاءات الساترات كالمسلمات، وكل ما عندهن أنهن يكشفن الوجوه ويمشين سافرات، أذكر ذلك وأنا صغير، وجاءت مرة وكيلة ثانوية البنات المدرسة سافرة فأغلقت دمشق كلها حوانيتها، وخرج أهلوها محتجين متظاهرين حتى روعوا الحكومة، فأمرتها بالحجاب وأوقعت عليها العقاب مع أنها لم تكشف إلا وجهها، ومع أن أباها كان وزيرا وعالما جليلا وكان أستاذا لنا". ويبدو أن الحادثة التي ذكرها الطنطاوي وقعت عام 1347هـ/ 1929م أو قبلها، وهو في الـ20 من عمره أو دون ذلك.

شمال إفريقيا

لبست النساء في دول شمال إفريقيا البرقع والنقاب، وكانت المرأة في هذه الدول تلبس عند خروجها من بيتها الحايك والعجار، والحايك شبيه بالملاية المعروفة في مصر والشام، وهو لباس ترتديه المرأة فوق ملابسها حين تغادر منزلها لمزيد من الحشمة، والعجار قطعة قماش تغطي بها وجهها فلا تظهر سوى عينيها. يقول الدكتور مصطفى الحيا "ظلت المرأة المغربية لعهود طويلة تعرف بزيها الأصيل والمحتشم الذي يشمل الجلباب والنقاب".

في العراق

لا تختلف العراق عن الدول الإسلامية الأخرى، فالبرقع والنقاب منتشران فيها، وظل لباس المرأة لهما شائعا على مدى القرون. في 17 آب (أغسطس) 1910 كتب الشاعر جميل صدقي الزهاوي مقالة جريئة في جريدة "المؤيد" المصرية بعنوان "المرأة والدفاع عنها"، ناقش فيه عدة موضوعات تخص المرأة من بينها الحجاب والنقاب بطريقة مسيئة، فثار كثير من أهل بغداد وخرجوا في مظاهرة حين بلغتهم مقالته، وعلى رأسهم علماء الدين، وألف الشيخ محمد سعيد النقشبندي، من علماء بغداد، رسالة في الرد عليه سماها "السيف البارق، في عنق المارق" وطالب البعض بعزله من وظيفته من والي بغداد ناظم باشا فعزله، ما دفع جميل صدقي الزهاوي أن يتراجع عن رأيه وينكر كتابته المقال. وذكر علي الوردي في كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق" تفاصيل ما حدث.

الجزيرة العربية

كان غطاء الوجه والبرقع والنقاب ولا يزال منتشرا في مناطق الجزيرة العربية، قبل قيام الدولة السعودية وبعدها، على أنه ينطبق على الجزيرة العربية ما ينطبق على غيرها من الأقاليم الإسلامية، فنساء بعض المناطق البعيدة عن الحواضر العلمية يسفرن عن وجوههن.

الصور والأفلام السينمائية

حين نرجع إلى الصور القديمة التي التقطت للنساء في الدول الإسلامية، أو الأفلام السينمائية التي صورت الحياة في الشوارع والأسواق، أو صورت بعض العوائل المسلمة، نلحظ انتشار غطاء الوجه والنقاب بشكل كبير للغاية، ويتضح من خلال هذه الأفلام والصور أن الغطاء هو السائد بين أغلب النساء.

فيليكس بونفيس

فيليكس بونفيس "ت 1302هـ / 1885م" مصور فوتوغرافي وكاتب فرنسي، افتتح في سنة 1867م استديو تصوير في بيروت، والتقط بونفيس والعاملون معه آلاف الصور الفوتوغرافية في لبنان ومصر وفلسطين وسورية وتركيا. يلاحظ في الصور التي التقطها للنساء تغطية الوجه كاملا، أو لا تتضح سوى عيونهن. ولا يقتصر الأمر على هذا المصور، بل ينطبق على سائر الرحالة الذين وصفوا المرأة أو رسموها أو التقطوا لها صورا.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق