ماذا خسرنا بغياب المرشد المهني؟

|


لا يخفى علينا أن الإرشاد والتوجيه يحدث بطريقة عفوية في مجتمعاتنا، ولا نزال بعيدين من تأطير هذه العلاقة وممارستها بالشكل الأمثل الذي يحقق فوائدها الجمة، خصوصا الإرشاد بصورته المهنية الصادقة والمباشرة، حين تفتح الأبواب وتدشن المحفزات. في العلاقة الإرشادية، تقيم الخيارات بفاعلية يمكن ملاحظتها وتخرج النتائج بقيمة عالية. على الرغم من أن هذا الوضع يكاد يتطابق في جميع مجالات الإرشاد، الأكاديمية والمهنية والتجارية، إلا أن ضعف الإرشاد المهني ضيع على مجتمعاتنا كثيرا من الفرص، وأدخل عددا لا يحصى من العقول في دائرة الخمول، وأصاب النمو الإنتاجي الفردي بالشلل وهو في أول مراحله، وهذا أمر مؤسف يجب ألا نقبل به ونسعى لتغييره بأسرع طريقة ممكنه. بكل تأكيد هناك استثناءات لحالات حقيقية لمرشدين متميزين ومستفيدين تم إرشادهم بطريقة رائعة، لكنها تظل قليلة ومحدودة، ولا يمكن الاعتماد عليها بعد كمنصات للانتشار.
مرت علي كثير من الحالات التي تتفوق في المدرسة بشكل ملحوظ دون دعم الوالدين، وهذا الواقع يلمح بأنه حتى في الحالات التي تكون الأسرة فيها غير مستقرة أو لا تملك المهارات التربوية والثقافية المطلوبة لإدارة أداء الطفل التعليمي، إلا أن بعض الأطفال يملك من النباهة والذكاء ما يجعله يتفوق على عدد من أقرانه بسهولة. إلا أن المفاجأة تأتي بتحول حياة هذا الطفل بعد الدراسة النظامية إلى فشل – أو تواضع - مهني لا يستحقه. السؤال، كيف تفوق في المدرسة وفشل مهنيا؟ السبب واضح، الحياة المدرسية مهيكلة بشكل منضبط وبقليل من الاهتمام والحوافز التي تطلقها المنافسة وبعض القدرات الطبيعية يستطيع الطفل أن ينتج فيها بشكل جيد. لكن الحياة المهنية مختلفة تماما، فالفرص متغيرة والديناميكية عالية جدا، ولا توجد هيكلة معتمدة يمكن سلوكها بطريقة عفوية وتؤدي في الوقت نفسه إلى مسار وظيفي مميز. لذا، يفشل هذا الطفل المسكين الذي لم يتمكن من الاستفادة من قدراته وإمكاناته بسبب غياب الدور الإرشادي في حياته، خصوصا في مرحلة التحول من الدراسة النظامية إلى العمل المهني.
تتنوع حالات الأذكياء النبهاء الذين يفشلون مهنيا، إما لأسباب انضباطية وسلوكية وإما - كما هو في معظم الحالات - لافتقادهم الحافز المرتبط بمعرفتهم ذواتهم وقدراتهم على الاستفادة منه للعمل والتخطيط. وهذا كله يتم حله بالبناء التربوي المبكر الذي يعتمد على المكون الإرشادي بشكل كبير، سواء من الوالدين أنفسهما أو من أشخاص آخرين يصبحون نقاطا فارقة في حياة الشخص على مدار حياته. والأمر لا يقتصر في الحقيقة على الأذكياء النبهاء فقط، فجميع الأطفال والشباب بغض النظر عن مميزاتهم الفردية أو عيوبهم بحاجة كبيرة إلى المرشد المهني. بل إن المرشد المهني في كثير من الأوقات يشكل الحجر الأساس لتجاوز العقبات الحياتية والتحديات الفردية. كم من متعطل وظيفيا أو مهاريا اكتشف ذاته وضاعف إمكاناته وزاد من قفزاته بعد عدة جلسات مع من يقوم بدور المرشد المهني.
وحتى لا نضخم من دور المرشد المهني، فهو ليس حلالا للمشكلات، ولا المستشار الذي يقدم توصيات مكتوبة عليها ختم ومعها فاتورة، وهو لا يقوم باتخاذ القرار نيابة عن المستفيد منه. يقوم المرشد بتشكيل المحيط الكافي الذي ينعكس فيه الصدى، ويملك في الوقت نفسه معرفة كافية بحالة السوق وتقلباتها، مع إجادته التامة لما تتطلبه هذه السوق من مهارات أساسية، ومعرفته كذلك بعض الملامح التخصصية في مجال أو مجالين. وفي الوقت نفسه، يجيد المرشد مهارات التواصل، وبعض مهارات التوجيه والتأثير الإيجابية. اجتماع هذه المهارات والإمكانات هو ما يمنح المرشد - والمهارات الإرشادية - القيمة الأهم، مقارنة بخبير تقني أو طبي يود أن ينفع المجتمع ويوجه الشباب ولكنه لا يعرف إلا تخصصه، أو بتنفيذي سابق عمل لا يعرف آخر أخبار سوق العمل وتفاعلاتها.
غياب المرشد المهني في حياة الأفراد الذين عجزوا عن تحقيق النجاح المهني خسارة كبيرة لا يمكن تعويضها، لهؤلاء الأفراد وللمجتمع كذلك. ولست ألوم أحدا بسبب هذا الخلل، بقدر ما أريد الإشارة إلى مدى حاجتنا إلى تعظيم هذا الدور بشتى الطرق الممكنة. هناك توجه واضح اليوم لسد هذا الفراغ، وهنالك عديد من البرامج الحكومية والخاصة التي تعنى بتعزيز الدور الإرشادي في سوق العمل ومريديه من أول مراحل حياتهم. ولكننا بحاجة إلى مزيد، خصوصا أن بناء هذه البرامج ومشاهدة نتائجها على أرض الواقع يتطلبان قدرا من الزمن، بينما العابرون من المراحل التعليمية والمهنية لا يستطيعون الانتظار، وربما لا يستطيعون الوصول إلى المرشدين المهنيين لأنهم قلة.

إنشرها