الأنا الجماعية .. المكونات والتشكيل

|

الأنا الجماعية عبارة عن أنا الأفراد الذين يشكلون أبناء المجتمع، فيما يوجد بينهم من مشتركات تشكلت عبر الأجيال، ويدخل في تشكيل الأنا الجماعية مجموعة عناصر، منها التاريخ الذي تتوارث الأجيال أحداثه بانتصاراتها، وهزائمها، فالمجتمع ذو الرصيد التاريخي الجيد، المفعم بالبطولات، والانتصارات على الأعداء تلامس أصداؤها عقول، وقلوب الكبار، والصغار؛ لافتخارهم بهذا التاريخ الذي يطمحون أن يضيفوا إليه، ويسدوا الثغرات التي قد حدثت، خاصة في العصر الحديث؛ بفعل التحولات في بناء المجتمع التي حدثت؛ نتيجة عوامل ضعف اعترت جسد المجتمع، إما بسبب تراجع المعرفة، والعلم، وإما بسبب تقلبات سياسية أفقدت الجميع الاستقرار، وأصبح جل همهم توفير الأمن المفقود، كما أن العوامل الاقتصادية لها نصيب الأسد فيما يعتري المجتمع من ضعف، وتراجع في كثير من نشاطات الحياة، ومجالاتها، وهذا بدوره ينعكس على معظم الناس، حيث يسود الإحباط، ويفقد الأمل في مستقبل أفضل.
قادة الفكر، والمثقفون، والإعلام، ومحاضن التربية، والتعليم يلعبون دورا بارزا في تعزيز، وتقوية الأنا الجماعية، أو إضعافها، وذلك من خلال غرس بذور الثقة بالنفس على مستوى الفرد، والجماعة، وذلك من خلال النماذج الناجحة، والمبدعة، سواء كانت في تاريخ الأمة القديم، أو القريب، أو الحاضر، ومتى توافر العرض الجيد لهذه النماذج فسيتخذها الناس كبارا، وصغارا نماذج يحتذون بها، بدلا من محاكاة مهرج على خشبة المسرح، أو ممثل في فيلم لا يقدم إلا القشور في ملبسه، ومفرداته، وتصرفاته التي يقوم بها كجزء من الدور الموكل إليه، كقاطع طريق، أو خائن لزوجته، أو متسكع في الطرقات، والمباني المهجورة؛ بحثا عن متعة يعتقد أنه يجدها في تعاطي المخدرات، أو غيرها من المتع الوهمية، ولو كان الفيلم خلاف ذلك فسيدرك المشاهدون عدم حقيقة ما يشاهدون، وهذا خلاف النماذج التاريخية الحقيقية التي صنعت البطولات، وجعلت العرب، والمسلمين ينشرون ثقافتهم على ثلثي العالم مع محدودية الإمكانات في ذلك الزمن.
يضاف لمكونات الأنا الجماعية الثقافة المشتركة بين الناس، المؤسسة على «الدين، واللغة، والشعر، والعادات، والتقاليد الحميدة»، إذ تمثل مكونا قويا من مكونات الأنا الجماعية بحكم اشتراك معظم الناس فيها، عدا القلة التي تأثرت بثقافة مغايرة، وتحولت إلى مدافع شرسة عما تأخذ به من ثقافة الآخر، حتى لو أدى ذلك بها إلى إعلان الحرب على قومها وبني جلدتها والافتراء على ثقافة الأمة بما ليس فيها. عندما أسمع، أو أقرأ ما يكتبه، أو يقوله البعض الذين يشككون في تاريخ أمتنا، ويسعون للتشويه، والانتقاص من المنجزات التي تحققت والحط من رموزها أدرك أن هؤلاء طابور خامس يخدم أهداف الأعداء، أو أنهم مغفلون لا يدركون قيمة التاريخ لكل أمة حتى يتحقق تواصل الأجيال بشكل سلس؛ تجنبا لأي فجوات توجد بين الأجيال ما يصيب الأجيال الجديدة بالغربة والتنكر للثوابت التي بنيت عليها الأمة.
من الأمثلة الجميلة لممارسة غرس الانتماء للوطن، وتقويته جمعية قدماء المحاربين في أمريكا، حيث لها مقارها، وشعارها، ولباسها المميز، وأنشطتها، ويزورها الرؤساء؛ تكريما، وتقديرا لجهود منسوبيها في خدمة الوطن، والدفاع عنه.
الانتماء للوطن عنصر أساس في بناء، وتشكيل الأنا الجامعة، فعندما يقول الفرد أنا سعودي فهو يشترك في هذا الانتماء مع ملايين الناس ليس في جغرافية الوطن فقط، بل في تاريخ الوطن، ولغته، ودينه، وقيمته ذات القدسية، ومجموع الثقافة العامة، وعندما يقول أنا عربي فهو يشارك مئات الملايين هذا الانتماء، حيث اللغة، والعرق، وثقافة أوسع من ثقافة الوطن، على أن عروبة الفرد لا تعني بأي حال من الأحوال التميز، والنظرة الدونية للآخر، كما حدث حين رفعت شعارات التعصب القومي خلال عقود مضت ما سبب تمزقا لا تزال تعانيه الأمة حتى الآن.
الانتماء للأمة الأكبر يمثل ركنا أساسيا للأنا الجماعية مع اختلاف اللغات، والثقافات، والعادات، والتقاليد المحلية، المكتسبة من العيش في وطن له ما يميزه في هذا الشيء، إلا أن هذا لا ينفي اعتزازه بأمة المليار والنصف، والشعور بمشاعرها، وحمل همومها.

إنشرها