أزمة «بريكست» وخسارة الاقتصاد البريطاني

|

مع رفض مجلس العموم البريطاني خطة رئيسة الوزراء تريزا ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست" للمرة الثانية، لم يتبق لديها كثير من الخيارات. في الواقع لا يوجد إلا خياران اثنان. الأول، الخروج من الاتحاد بلا اتفاق، والآخر، التصويت في مجلس العموم على إمكانية تمديد فترة الخروج، أو ما يعرف بتجميد البند الـ 50 من معاهدة لشبونة. خسارة ماي التصويت في مجلس العموم كانت كبيرة، واعتبرتها وسائل إعلام بريطانية مهينة، لأن نسبة الرافضين مرتفعة جدا، وإن قلت عن نسبتهم في رفضهم الأول لهذا الاتفاق. في هذا الوقت بالذات تتصاعد الفوضى السياسية على الساحة البريطانية. فحتى الخلافات بهذا الخصوص وصلت إلى داخل الحكومة نفسها، التي من المفترض أن تلتزم بكلمة بموقف موحد.
الاتحاد الأوروبي ليس لديه ما يقدمه أكثر مما قدمه بالفعل. هكذا يقول المسؤولون فيه، وعلى هذا الأساس كان ميشيل بارنييه كبير المفاوضين الأوروبيين واضحا عندما قال في أعقاب خسارة التصويت في مجلس العموم البريطاني: "إن المشكلة تحل في لندن، ولا تحل عندنا". ما يعني أنه على رئيسة الوزراء البريطانية عدم التفكير في العودة مجددا إلى بروكسل للتفاوض أو للحصول على ضمانات جديدة، خصوصا أن الاتحاد عبر منذ أشهر عن عدم قبوله لأي سبب من الأسباب فتح ملف التفاوض مجددا. فما اتفق عليه لا يمكن تغييره، وعلى لندن أن تحل مشكلاتها السياسية والحزبية بمفردها وعلى ساحتها. ويعتبر الاتحاد أن الضمانات الأخيرة التي حصلت عليها لندن كافية لأن تجعل الاتفاق يمر على البرلمان البريطاني، لكن الأخير رفضه.
لا توجد مسارب أخرى أمام الحكومة البريطانية، بينما لم يتبق سوى أسبوعين عن الموعد المحتم للانسحاب البريطاني من الاتحاد، في ظل تحذيرات على مستوى الأعمال والمسؤولين البريطانيين أنفسهم، بأن الانسحاب بلا اتفاق يمثل كارثة حقيقية. حتى إن تقديرات وزارة المالية أشارت إلى إمكانية فقدان الاقتصاد البريطاني 10 في المائة من قيمته إذا ما تم الخروج بلا اتفاق. أي أن الانسحاب بهذه الطريقة سيكون مستبعدا، بصرف النظر عن أي اعتبارات، وبعيدا عن أصوات بعض النواب "ولا سيما من حزب المحافظين" التي تطالب بالانسحاب بأي طريقة كانت. المهم بالنسبة لهؤلاء أن يتم هذا الانفصال في الموعد المحدد له، التزاما برغبة الأغلبية من البريطانيين التي صوتت للانسحاب.
حكومة تريزا ماي ضعيفة، حتى إن بعض النواب من حزبها أشاروا إلى أنها لا تحكم قبضتها في الواقع على الساحة. ومع ذلك لا يتحدثون عن تغييرها في هذا الوقت بالذات، على اعتبار أن الوضع الراهن استثنائي، الأمر الذي يبعد الحديث عن إمكانية إجراء انتخابات عامة مبكرة. ومهما يكن الأمر فالكرة الآن عادت مجددا إلى الملعب البريطاني، والعقدة الإيرلندية لم تحل، ولم توفر ضمانات أوروبا في هذا المجال أي دفعة لحكومة ماي على صعيد تصويت مجلس العموم، وإن قللت المعارضين للخطة. لا شيء مؤكد على الساحة السياسية البريطانية حاليا. ومن المرجح أن يسيطر البرلمان على مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في المرحلة المقبلة. أي أنه سيسحب الملف من الحكومة، وهذا وحده إشارة أخرى جديدة إلى ضعف الحكومة التي تحكم أصلا بائتلاف مع حزب إيرلندي صغير، يسهم مباشرة في تعطيل الحصول على أصوات كافية لخطة ماي للخروج من الاتحاد.

إنشرها