التعليم والتحدي المعرفي .. مضامين الموضوعات الرئيسة «2 من 3»

|

تحدثنا في المقال السابق عن التعليم والتحدي المعرفي الذي واجه العالم، والذي بات أكثر إلحاحا، في موضوعات: "العلوم Science، والتقنية Technology، والهندسة Engineering، والرياضيات Mathematics" التي عبر عنها بالاختصار "ستيم STEM". وغاية هذا المقال إلقاء الضوء على كل من هذه الحقول، في تسلسل يتوافق مع معاني مضمونها، انطلاقا من المظلة التي تظللها جميعا، وهي "المعرفة Knowledge".
نبدأ "بنظرية المعرفة"، ومثل هذا التعبير هو الترجمة العربية غير الحرفية للكلمة Epistemology الإغريقية الأصل التي تتكون من جزأين. فبدايتها Episteme تعني "المعرفة"؛ ونهايتها Logos تعني "السبب" أو "الدليل". وتعبر الترجمة الحرفية للجمع بين الكلمتين عن "سبب المعرفة" أو "دليل المعرفة". وقد استبدلت هذه الترجمة، على نطاق واسع، بتعبير "نظرية المعرفة"، أو "علم المعرفة"، من منطلق أن أي نظرية تبحث دائما في "الأدلة" وما يرتبط بها.
تطرح نظرية المعرفة التساؤل التالي: "كيف نعرف أن أمرا ما حقيقة قائمة أم ليس كذلك"؟ وتأتي الإجابة عن هذا التساؤل بأن هناك نوعين من "الأدلة Reasons" على الحقيقة. يتمثل النوع الأول بالمحاكمة الذهنية الملموسة التي تعتمد على "المشاهدة والتجربة" Empiricism في تقديم الأدلة، فلا أحد يستطيع أن ينكر حقيقة ما يراه ويختبره على أرض الواقع، فهذا هو القمر، وتلك هي الشمس، والطقس اليوم ماطر وقد ابتلت الطرقات بمياهه.
أما النوع الثاني من الأدلة فيعتمد على المحاكمة الذهنية المجردة التي تستند إلى "منطقية وعقلانية التفكير" Rationalism في استخلاص الأدلة. وكثيرا ما يتم استخدام مثل هذه العقلانية في التخطيط والدراسات المستقبلية وإيجاد الأدلة على صحة مسارها، وربما أيضا في تقديم المبررات على قناعات في أمور مختلفة غير محسوسة. وبالطبع هناك في الحياة أمور تجمع في الاستدلال على حقيقتها بين النوعين. ومن أمثلة ذلك "خيالات الإبداع والابتكار" التي تطوف حول مختلف جوانب المعرفة سواء الناتجة عن التجربة والمشاهدة أو المرتبطة بالتفكير المنطقي المجرد، لتقدم أفكارا ومبتكرات غير مسبوقة.
وننتقل إلى التعريف "بالعلوم" حيث تعود كلمة علوم إلى اللغة اللاتينية، لغة روما القديمة، وأصل الكلمة "Scientia" وتعني "المعرفة". ويقول تعريف عام للعلوم، ورد في الموسوعة البريطانية، إنها "نظام معرفي يهتم بالطبيعة، أي باكتشاف العالم المادي Physical World، والتعرف على الظواهر الطبيعية Phenomena، وإجراء التجارب وبناء الخبرة Experimentation". وعلى أساس هذا التعريف، تسعى العلوم نحو التعرف على حقائق الطبيعة ومعطيات نظم الحياة وقوانين عملها. وتشمل العلوم عددا من الموضوعات الرئيسة. فهناك "العلوم الأساسية" Physical التي تتضمن: الفيزياء، والكيمياء، وعلوم الأرض، وعلوم الفضاء، وغير ذلك؛ ثم هناك "علوم الأحياء" Biology التي تشمل علوم الحيوان، وعلوم النبات، وعلوم الخلية والجينات وغيرها؛ ويضاف إلى ذلك "العلوم الطبية Medicine" وما يرتبط بها.
ونأتي إلى "الرياضيات"، وأصلها الكلمة الإغريقية mathema التي تعني "المعرفة، والدراسة، والتعلم". وتعود جذور أفكار الرياضيات إلى "عمليات العد والقياس ووصف الأشكال المختلفة"؛ وتهتم بدراسة "المسائل الكمية وصياغة مكوناتها وتغيراتها والعلاقات فيما بينها". وتعتمد صياغتها للعلاقات على "المنطق في التفكير" ووضع "الأدلة الكمية". وقد استطاعت مع الزمن تكوين قواعد منطقية عامة وموثقة للتعامل مع الصياغات الكمية القابلة للاستخدام في مختلف المجالات، حتى باتت "لغة كمية أساسية"، بل "ضرورية" للتعامل مع جميع المجالات "العلمية والهندسية والتقنية" المختلفة.
ونتوجه نحو "الهندسة"، التي تعود جذورها إلى اللغة اللاتينية، وأصلها Ingenium وتعني "الذكاء والتصميم والتطوير". وجوهر الهندسة هو أنها "تطبيق للمعرفة يسعى إلى الاستخدام الأمثل لمعطيات الطبيعة ومصادرها لما فيه مصلحة الإنسان صاحب العلاقة". وبنظرة أوسع تستخدم الهندسة "العلوم والرياضيات والأدلة التجريبية كي تقدم المبتكرات، وتصمم الأنظمة والإجراءات، وتبني الأجهزة والمنشآت". وتشمل الهندسة حقولا رئيسة متعددة بينها: الهندسة المدنية، والهندسة الميكانيكية، والهندسة الكهربائية، والهندسة الكيميائية، وغيرها.
وهناك تعريف شامل "للهندسة" معتمد من "المجلس الهندسي للتطوير المهني في الولايات المتحدة" يستحق الطرح. يقول هذا التعريف: "الهندسة هي التطبيق الإبداعي للمبادئ العلمية في تطوير أو تصميم منشآت، أو آلات، أو أجهزة، أو إجراءات عمل أو تصنيع، أو أي عمل آخر يستخدم هذه المعطيات فرادى أو مجتمعة جزئيا أو كليا؛ وتقضي الهندسة بأن يكون ذلك في إطار عمل يتسم بالكفاءة الاقتصادية وحماية الإنسان والممتلكات". وهكذا نجد أن الهندسة ليست فقط تطبيقا ذكيا للمعارف العلمية، بل إنها تحمل أيضا استجابة للمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها.
ونصل إلى "التقنية" Technology وهي كلمة إغريقية الأصل مكونة من شقين. الشق الأول Techne ويعني "مهارة" Craft، والشق الثاني "Logos" ويعني "الدليل"، والاثنان معا يحملان معنى "دليل المهارة" الذي عبر عن عمل تطبيقي يحتاج إلى إمكانات عملية خاصة. التطبيق في هذا العمل هو "للمعرفة العلمية"، والمهارة هنا هي القيام بتقديم "المنتج" الذي ينشده التطبيق. وينظر إلى التقنية، عبر توجهها التطبيقي، على أنها امتداد "للهندسة"، واستكمال لمعطياتها. فإذا كانت الهندسة تهتم بتوجهات التطوير وإجراءات التصميم، فإن "التقنية" تركز على عمليات التنفيذ، وبالذات المهارات المطلوبة لذلك. وعلى هذا الأساس، فإن على الهندسة تقديم خريطة العمل المطلوب ومساره، وعلى التقنية التنفيذ وتقديم النتائج المنشودة سواء كانت سلعا أو خدمات أو إجراءات عمل.
علينا أن ننظر إلى الموضوعات الأربعة "العلوم والتقنية والهندسة والابتكار" STEM نظرة تكاملية مشتركة وليست نظرة أحادية لكل منها على حدة. "العلوم" تعطي الأسس، و"الرياضيات" تعطي لغة التعبير الكمي المحدد. أما كل من "الهندسة والتقنية" فهما ليسا علمين فقط، بل هما "فن" في التصميم ومهارة في التنفيذ، ومضمون "اقتصادي" نافس على الفائدة والتكاليف، إضافة إلى مضمون "اجتماعي" يرضي متطلبات الإنسان ويستجيب لتوجهاته فيما يتطلع إليه. ولا شك أن الموضوعات الأربعة معا تحتاج إلى "مهارات التفكير وحل المشكلات والإبداع والابتكار في تقديم المنتجات والخدمات الجديدة والمتجددة"، فنحن في عصر الثورة الصناعية الرابعة، حيث العطاء المعرفي القابل للتحويل إلى قيمة هو معيار الوصول إلى مستقبل أفضل.

إنشرها