هل يستطيع البائعون فرض الأسعار؟

|


يرتبط هذا الفرض أو التحكم في الأسعار بمستوى التنافسية. تتوزع الأسواق من حيث القدرة التنافسية على ثلاثة أنواع رئيسة: انفراد وقلة وكثرة. وأنبه أن الكلام على نطاق جغرافي محدد في متناول المشترين ضمن هذا النطاق.
النوع الأول: انفراد، ويسمى احتكاريا، حسب الترجمة السائدة للكلمة monopoly، وليس حسب المعنى اللغوي التاريخي للكلمة. أي وجود بائع واحد لسلعة بعينها. ويمكن تساهلا اعتبار اثنين في حكم واحد. أما النوع الثاني: قلة؛ فيعني وجود عدد صغير من البائعين لسلعة ما، كسبعة. ويسمى تساهلا أحيانا احتكار قلة. أما النوع الثالث: كثرة؛ فيعني وجود عدد كبير من البائعين للسلعة المعنية، ونصيب كل بائع صغير. ولا يوجد تحديد مجمع عليه بأقل عدد يعد كثرة، إذ يعتمد الأمر على تفاصيل مثل طبيعة السلعة أو الخدمة. لكن من المؤكد أنه ينطبق على العشرات من 50 بائعا فصاعدا لغالب السلع. وهنا يظهر خلاف في العدد الذي هو أكثر من قلة وأقل من كثرة، كـ25 بائعا ضمن نطاق جغرافي محدد لأغلب السلع. والأقرب أن نقول إنه تنافسي، لكنه ليس قوي التنافسية.

التأثير في السعر
في حالة الاحتكار فإن البائع يتحكم في الأسعار أو الكميات المعروضة للبيع إلا في حالة تدخل السلطة. ويصعب التحكم في الاثنين السعر والعرض. ويعتمد قدر نجاح المحتكر في تعظيم أرباحه على عوامل كوجود بدائل، ومدى الرغبة في هذه البدائل. وعند عدم وجود بدائل، أو كونها بدائل ضعيفة، فإن السؤال: ما مدى أهمية هذه السلع للمشترين؟ وتعد المرافق العامة كالكهرباء والماء أوضح الأمثلة على الاحتكار. في هذه الظروف لابد في العادة من تدخل الحكومة في السعر.
أما في حالة احتكار قلة؛ فإن مدى نجاحهم في تحديد السعر أو الكمية يعتمد على قدر اتفاق أو تعاون بينهم، ومدى التزام كل بائع بما جرى التفاهم عليه. والملاحظ نظريا وعمليا وجود ميل لخروج بعض البائعين عن الالتزام بصورة خفية لتحقيق مكاسب خاصة، ما يفسد الاتفاق مع الوقت.
هل من مثال على احتكار قلة؟ الطيران والاتصالات وبعض التقنية في عموم دول العالم.
هناك سلع محتكرة أو من قلة من طرف وتباع في أسواق تنافسية من طرف آخر. مثلا بعض السلع التي تباع على عدد كبير من المحال، بائع جملة واحد أو قلة، بما يمكن من وجود تعاون بينهم.

ماذا في الحالة التنافسية؟
أهم صفات السوق التنافسية وجود عدد كبير جدا من البائعين والمشترين. وليس لواحد أو مجموعة متعاونة منهم قدرة على السيطرة على حجم الإنتاج أو الشراء أو السعر. ويشبه ذلك الحديث المتواتر الذي يرويه عدد كبير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. ومن ثم فإن البائع "أو مقدم الخدمة" يتبع سعرا موجودا في السوق.
من أمثلة السلع والخدمات التي سوقها تنافسية بالنسبة للمستهلك أغلب الأطعمة والمواد التموينية في محال التجزئة، والوحدات السكنية المتاحة أو شبه المتاحة للبيع أو التأجير، وخدمات الحلاقة والصيانة وأعمال البناء العادية "مقاولات بناء منازل"، وغيرها كثير مما يعرف بوجود عارضين ومشترين كثيرين للسلعة نفسها، على الأقل في المدن. وما يوجد من فروق في أسعار السلع التنافسية عادة هامشية تعكس ظروف كل محل والمشترين منه. ولكن من الصعب جدا وجود فوارق جوهرية مستمرة.
بعض السلع تباع في سوق تنافسية، ولكن من الممكن أن تمر بحالة وساطة "طرف وسيط"، سواء كانت هذه الوساطة مشروعة أو لا. ما تأثير هذه الوساطة في السعر النهائي؟ الجواب يعتمد على قدر الحاجة إلى هذه الوساطة، وعلى مستوى التنافسية فيها. فمثلا كثرة المشتغلين فيها، خاصة حينما تكون وساطتهم لمجرد كسب مال وليس لأن وساطتهم لازمة لذاتها، فإن تأثيرهم في السعر النهائي يصبح ضعيفا. وهذا يعني أن تأثيرهم يتركز على مشاركة البائع في بعض أرباحه. وهذا يفسر لنا جمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين نهي وامتناع. نهى عن تلقي الركبان، وهم من يتلقون في أطراف المدينة القادمين من خارج المدينة لبيع سلعهم في المدينة. وفي الوقت نفسه امتنع عن التسعير عندما حل الغلاء.
تدخل الحكومة بتسعير السلع التنافسية يوجد بالضرورة توزيعا غير فعال "كفؤ". وهذا من أهم أسباب فشل النظام الاشتراكي بصورته غير المعدلة/المطورة. ولذا لا يفضل أن تتدخل الحكومة بتقييد السعر أو الكمية في حالة السوق التنافسية، وهذا ما يعبر عنه أحيانا بعبارة دعها -أي السوق- تعمل لحالها.
والحديث طويل، لكن المقام لا يتيح مزيد تفصيل.

إنشرها