جدة تحتفي باليوبيل الماسي لغرفتها التجارية

|


احتفل تجار جدة الأسبوع الماضي باليوبيل الماسي ومرور 75 عاما على إنشاء الغرفة التجارية الصناعية في مدينة جدة، ويشرف غرفة جدة أنها أول غرفة تجارية صناعية تنشأ في المملكة العربية السعودية، حيث أصدر المؤسس الملك عبدالعزيز مرسوما ملكيا عام (1946 - 1365هـ) بإنشاء الغرفة، لتكون عونا للتجار وأداة من أدوات تسهيل وتنمية العمل التجاري.
جدة مدينة تجارية منذ نشأتها، فهي أكبر ميناء بحري على البحر الأحمر، بل تعتبر أهم موانئ الجزيرة العربية، ترد إليها البضائع من كل مكان في العالم، وتجارها يمونون تجار مكة والمدينة والطائف وغيرها من مدن المملكة، كما أنها تصدر البضائع إلى جميع أنحاء الجزيرة العربية. وموقعها عند مدخل الحرمين الشريفين أعطاها مكانة مهمة كمورد من موارد السياحة، كما أنها اشتهرت بمولاتها الفارهة وأسواقها وحوانيتها التي تتميز بوجود أفخم وأهم الماركات العالمية، وكانت موارد جدة من أهم الموارد التي تنافس موارد قناة السويس.
والواقع إن مدينة جدة إحدى المدن التجارية المهمة التي تقع في سرة البحر الأحمر، وتتزين بأكبر وأفخم ميناء بحري يطل من هذا البحر الشاسع الذي يمتد شمالا حتى خليج العقبة، وجنوبا حتى باب المندب، ولجدة تاريخ طويل مع النشاطين التجاري والصناعي، فيها أسس البنك الأول والبنك الأهلي التجاري وبنك الرياض، وفيها أسست مؤسسة النقد العربي السعودي.
والواقع إن مجموعة من الأشاوس ممن يعملون في حقــــــل التجـــارة في جدة تقدمــوا وطلبــوا من الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- الترخيص بإنشاء غرفة جدة التجارية، وعلى الفور استجابت الحكومة السعودية الرشيدة في عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وصدر في عام 1946 مرسوم ملكي بإنشائها كأول غرفة تنشأ في المملكة. ونذكر من الأشاوس الذين أسسوا غرفة جدة محمد عبدالله علي رضا الذي أصبح فيما بعد أول وزير لوزارة التجارة، وعبد الرؤوف جمجوم، ومحمد نور صلاح جمجوم، ومحمد سليمان التركي، ومحمد عطار، وأحمد باعشن، وإبراهيم الصنيع، وعمر باناجه، وحسن قابل، وسعيد بن زقر، وغير هؤلاء من بيوت جدة التجارية.
ولقد ظلت غرفة جدة من خلال تشكيلات مجالس إداراتها بمنزلة محطات مهمة في تاريخ الاقتصاد السعودي، كما أن الغرفة بصيغتها الشورية تعتبر أول مؤسسة تطبق النظام الانتخابي في المملكة، وما زالت الغرفة تعتبر نموذجا يحتذى في مجالات التجارة والصناعة والاقتصاد وإدارة الأعمال.
ولقد زاد من وهج جدة التجارية أن اختارها المقام السامي لتكون المدينة التي استضافت حفل التوقيع على أول اتفاقية للتنقيب عن البترول في المنطقة الشرقية، حيث وقع عبدالله السليمان وزير المالية يوم ذاك مع شركة ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا الأمريكية وحليفاتها في عام 1933 اتفاقية للتنقيب عن البترول في محيط الظهران والدمام في المنطقة الشرقية.
وبعد التوقيع على اتفاقية التنقيب عن البترول والعثور عليه بكميات زاخرة ما لبثت أن اكتشفت الشركات بحرا من الذهب الأسود تحت أقدام هذه المملكة الفتية التي أصبحت تمتلك أكبر احتياطي بترولي في العالم.
وتحتضن مدينة جدة كثيرا من البيوت التجارية السعودية العريقة التي يطلق عليها هذه الأيام اسم الشركات العائلية، وتلعب دورا مهما في بناء أركان الاقتصاد الوطني، ومن أبرز هذه البيوت بيت زينل، وبيت جميل، وبيت الزاهد، وبيت باناجه، وبيت البغدادي، وبيت قابل، وبيت الفضل، وبيت باعشن، وبيت شنكار، وبيت ابن زقر، وبيت باغفار، وبيت الجمجوم، وبيت أبوزنادة، وبيت الشربتلي. وإلى جانب البيوت التجارية قامت في جدة الوكالات البحرية السعودية بدور مهم في بناء اقتصادات جدة، ونذكر على سبيل المثال شركة علي رضا، وشركة الزاهد، وشركة فاضل عرب، وشركة باخشب، وشركة فايز للنقل البحري والملاحة.
وكان وما زال لكل بيت من هذه البيوت مجاله التجاري المميز، وكانت التنافسية التجارية بين هذه البيوت تشعل مزيدا من العمل الجاد والمميز حتى حقق الجميع تقدما ملحوظا في المجال الذي اختاره.
وعموما نستطيع القول: إن تاريخ جدة مع التجارة، وكل مهنها وأعمالها وخيراتها تاريخ طويل ابتداء من الصيد، حتى كل فنون وفروع التجارة الحديثة، وفي رحلاتهم التجارية الطويلة امتهن أهل جدة تجارة الجملة، والتجزئة، والقطاعي، لقد بدأ تاريخ التجارة مع الهند أولا وظل كذلك عقودا طويلة، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية اتجه تجار جدة نحو المتاجرة مع الغرب وامتهنوا التجارة في سلع الرفاهية التي بدأ الغرب يتخصص فيها مثل الثلاجات والغسالات والسيارات وكل الأدوات الكهربائية المبهرة.
وكان أهالي جدة من فرط حبهم وولعهم بالبحر والتجارة يستخدمون مصطلح "التجارة" كمرادف للبيوت الكبيرة والعريقة التي نشأت في قاع المدينة على مر التاريخ، فيقولون بيت جميل، وبيت الشربتلي، وبيت زينل، وبيت باناجه، ومصطلح "البيت" هنا بمعنى المؤسسة أو الشركة، وليس المقصود الجانب الأسري من البيوت، ولكن المقصود هو الجانب التجاري فقط.
وخلاصة القول إن كثيرا من بيوت جدة أصبحت حاليا تحمل لقب الشركات العائلية، وتلعب هذه الشركات حاليا دورا كبيرا في بناء الاقتصاد الوطني، وإذا كانت غرفة جدة تحتفل بيوبيلها الماسي فنحن نحتفل معها ونقدم لها أرق التهاني والتبريكات، ونرجو لها مزيدا من التفوق والنجاح في رحاب مملكتنا الفتية، مملكة الخير والنماء.

إنشرها