المشاريع الصغيرة .. نماذج بلا قيمة مضافة

|
كاتب ومستشار اقتصادي


كنت أتساءل بيني وبين نفسي وأنا أمر في شارعنا يوميا عن تزايد محال "الكوفي شوب" و"الهامبرجر" بشكل مستمر، وأتساءل أيضا إن كانت هذه المشاريع قامت على دراسة جدوى اقتصادية، ودرست احتياجات سكان الحي، وعابري الطريق، وقدرتهم الشرائية، وتفضيلاتهم. كما أتحاور- بيني وبين نفسي أيضا - عن ماهية الميزة التنافسية التي يراهن عليها صاحب المقهى أو الهامبرجر الجديد ليكون مختلفا عن الآخرين، أم أن الأمر هو من قبيل جرب حظك والله الرازق، ونعم بالله تعالى في كل شأن وحين.
يبدو أن ملاحظتي الشخصية لا تنطبق على شارعنا فقط، فالواضح أن الأمر عام، فقد أعلنت وزارة التجارة أخيرا أن "عدد السجلات التجارية المصدرة للمقاهي عام 2018 بلغ 6272 سجلا تجاريا في مختلف مناطق المملكة، محققا نموا نسبته 21 في المائة، مقارنة بأعداد سجلات عام 2017 المصدرة للمقاهي، وعددها 5152 سجلا تجاريا"، أي أنه فتح 11424 مقهى خلال عامين "الرقم أكبر وقد يصل إلى الضعف وأكثر بافتراض افتتاح أكثر من فرع للمقهى بالسجل نفسه".
فيما يخص مطاعم الهامبرجر، لم أجد رقما دقيقا يعتمد عليه- ومع الأسف هناك نقص كبير في عمل وزارة التجارة في إتاحة الأرقام والبيانات حتى البسيطة جدا- ولكن يقيني أنها ليست بالقليلة بناء على ملاحظاتي الشخصية أيضا.
هذا الانتشار السريع للمقاهي ومحال الهامبرجر يعود لتغير ثقافة الناس، وتفضيلها المقاهي مع الأصدقاء بدلا من دعوتهم لشرب القهوة في المنزل، كما كان يفعل الآباء والأجداد، وكبر شريحة الشباب وصغار السن في المجتمع التي تفضل الأكلات السريعة، وقلة مجالات الترفيه المتاحة لهذه الفئة؛ ما يجعلهم يصطفون طوابير على المقاهي ومطاعم الوجبات السريعة، وغير ذلك من العوامل.
بالطبع، لست ضد خيارات الناس، ولست ضد فتح محال للقهوة ولا الهامبرجر ولا غيرها، ولكن السؤال الاقتصادي المهم هو: ما القيمة المضافة لهذه المحال؟ وكم ستوظف لنا من الشباب؟ وكم مساهمتها في الناتج المحلي؟ وهل فتحنا "منشآت" وغيرها وسهلنا إجراءات التراخيص ووظفنا المختصين لتزيد محال القهوة والهامبرجر في شوارعنا؟
على اليد الأخرى، أعلم أن لدينا نقصا في مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي، ولذا نصت "رؤية السعودية 2030" على زيادة مساهمتها من 20 إلى 35 في المائة، ولكن هل هذه هي نوعية المشاريع التي نريد؟
بالتأكيد لا وألف لا، ولولا أن هذه المنشآت ستوظف عددا قليلا من المواطنين لقلت إن اقتصادنا لن يتأثر بشكل يذكر بوجودها أو عدمها، ورأيي أنها ليست أكثر من موضة سيهجرها أصحابها بعد فترة من دخولهم السوق كما كانت موضة العائلات المنتجة و"الفود ترك" و"مان ديفان" وغيرها، بعد أن يكونوا قد تحملوا الديون الكبيرة - تقدر تكلفة المقاهي والمطاعم اليوم بين 500 ألف ومليوني ريال، حسب "الستاندر" السائد اليوم - أو يتحول المقهى والمطعم لمشروع تستر تجاري.
رأيي الشخصي أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي نحتاج إليها اليوم هي تلك التي تكون ضمن سلاسل إمداد Supply Chain وتنتج مدخلات أو خدمات لمشاريع الحكومة وتدخل في مشترياتها أو للشركات الكبرى كـ "سابك" و"أرامكو" وغيرهما، إضافة إلى المشاريع الابتكارية المعتمدة على التقنية كالتطبيقات التي تحتاج إليها شريحة كبيرة من المجتمع وتتطور مع الزمن، أو مشاريع لإحلال الواردات أو زيادة الصادرات، وكل هذا لا ينطبق على مشاريع المقاهي والهامبرجر.
وقد يقول قائل إن هناك مشاريع صغيرة في مجال القهوة والهامبرجر دخلت السوق ونجحت وأصبحت لها منتجات وتحول بعض الأسماء فيها إلى علامة تجارية، وهذا صحيح ولكن في المقابل كم عدد الذين دخلوا ولم ينجحوا، مقارنة بمن نجح، ليس عندنا أرقام دقيقة ولكنها أرقام كبيرة يقينا "في أمريكا مثلا 50 في المائة من المشاريع الصغيرة تفشل في عامها الأول و95 في المائة تفشل خلال السنوات الخمس الأولى، حسب تقرير SBA"، أضف إلى ذلك أن المشاريع التي تقوم على التقليد وفلان نجح وسأكون مثله Me2 عوامل نجاحها ضعيفة جدا.
وأختم بأنني لست ضد خيارات الناس ولا ضد أن يفتتح الشباب المقهى بجانب المقهى والهامبرجر مقابل الهامبرجر؛ فالخيار لهم وأتمنى لهم النجاح وأسأل الله أن يرزقهم، ولكني ضد أن تفرغ جهات حكومية وقتها لدعم هذا النوع من المشاريع، وأن تعطي القروض الميسرة والحسنة لهذه المشاريع رغم أنها لا تحمل أية قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ويجب أن تصرف الجهود والأموال لدعم مشاريع يحتاج إليها الاقتصاد فعلا، وتضيف له ولمؤشراته ولنموه.

إنشرها