تخطيط جيد وتنفيذ ضعيف

|


تخيل أنك تقوم بأفضل وأجمل تخطيط ولا تنفذ منه شيئا؟ ستصبح حياتك وإنتاجيتك حينها مجرد "حكي". هذا أمر مؤسف ومحبط خصوصا لو شعرنا به بأنفسنا لأنه سيصبح مدخلا لليأس حين الإقرار به، وإذا اتهمنا به الآخرون يصبح موقعا للهجوم والدفاع والجدل. الحل يكمن في آليات التنفيذ الفعال، أي المعطيات التي يتطلبها التنفيذ المؤثر الذي لا يمكن وصفه بأنه مجرد "كلام أو حكي". إذا بدأنا والتزمنا بذلك طوال الفترة التي كنا نخطط لها يمكن حينها تفادي الوصول إلى نتيجة: "تخطيط جيد وتنفيذ ضعيف". تحدثت في مقالات سابقة عن مجموعة من الأفكار والممارسات التي تصب في مجرى التنفيذ الفعال، ومن ذلك: المتطلبات القيادية للتحسين المستمر، ودور مؤشرات الأداء في سياق إدارة الأداء، وضبط دورة الأداء، والتزامن الجيد للاستهداف والتهديف، وتنسيق الأجندة الاجتماعية والعملية، ودور المهارات المتنوعة والخبرة في تحسين النتائج. واليوم سأتحدث عن مجموعة من الخطوات المحددة التي تجعلنا أقرب للتنفيذ الفعال من التنفيذ الضعيف، وبذلك يصبح عائد التخطيط هنا أكبر ويدار الاستثمار "الإنتاجي" بشكل أفضل وهي:
أولا: الاتفاق مع المثل القائل: "أكل العنب حبة حبة" إذ يجب تقسيم الأهداف إلى مهام قابلة للتنفيذ والتداول. المنطقي الذي نتخلف عنه دائما هو التفصيل في الأهداف، ونقلها من مجرد جمل عامة إلى خصائص محددة. من حق فريق التنفيذ أن تكون لديه منجزات ونواتج deliverables يسعى لتنفيذها، تكون لها خصائص واضحة محددة يمكن تصورها والعمل على تحقيقها. يعتقد البعض أن نماذج الموارد البشرية التي توثق بها الأهداف هي كل شيء، وفي الحقيقة هي ليست إلا خريطة طريق للمرحلة المقبلة، واتفاق مرتب بين المنفذ والمسؤول عنه. ولكن من يسعى للتنفيذ الفعال يجب أن يملك سجلا جيدا لتفاصيل المهام التي تندرج تحت هذه الأهداف، ويجب أن تكون لديه قائمة بالمنجزات المتوقعة، التي قد تكون مستندات وتقارير معينة، أو أعمالا ميدانية، أو نتائج محسوسة يجب الوصول إليها. أول عائق لعملية التنفيذ الفعال هو عدم القدرة على هضم الأهداف لأنها كبيرة جدا، أو غير قابلة للتجزئة، أو أنها لم تفصل كما يجب بعد.
ثانيا: وهو محور مهم لا يمكن عزله أو تحييده هو التواصل. التواصل الفعال شرط أساسي للتنفيذ الفعال. وهو أمر يحدث قبل وأثناء وبعد التخطيط، وكذلك قبل وأثناء وبعد التنفيذ. التواصل الفعال المرتبط بالتنفيذ يحصل للفهم أو نقل الفهم، وللمعالجة والحل، وللتقرير بعد الإنجاز. وفي رأيي أننا نصنع في العادة تقارير لما تم إنجازه دون التواصل بشكل جيد من أجل الفهم أو المعالجة، لذا تكون النتيجة غير مفهومة، أو غير مؤثرة. هناك نوعان من الأطراف الذين يتم التواصل معهم أثناء التنفيذ: المنفذون والممكنون. في العادة، نلتقي المنفذ بعد فوات الأوان ليقول: هذا الهدف لم يكن واضحا لي، وهذه مشكلة تواصل ترتبط بزمن التواصل. ويحصل كذلك أن نرفض التواصل مع طرف "مُمَكن" بحجة أنه يجب أن يعرف دوره، وتأخذنا العزة بالنفس ونقول: "إننا غير ملزمين بشرح هذا الموضوع له أو زيارته في مكتبه". نهمش هنا من عملية التواصل لأسباب إدارية، كالتأخير، أو أسباب نفسية، مثل الكبرياء، وينتهي الأمر بفشل التنفيذ.
ثالثا: هو المتابعة. والمتابعة لا ترتبط بالتقارير فقط، بل تكون عبارة عن مزيج من تبادل المستندات التي تقيم الوضع والإنجاز مع الاجتماعات التي تمكن من التواصل اللفظي والمرئي، ما يسهم في تحسين الفهم وتحسين المعالجة. وفي رأيي أن أفضل دورة زمنية للمتابعة هي الأسبوعية - بالطبع يعتمد الأمر على طبيعة ما تتم متابعته - ولكن الدورة الشهرية في الغالب تسهم في تأخير المعالجة ولا تؤثر بالشكل المطلوب في النتائج.
رابعا: يرتبط بالاعتراف والمكافأة، وهو مهم لأنه يمكننا من التعلم من الأخطاء وشحذ الهمة بالمكافأة والتحفيز. من الأفضل أن ترتبط دورة الاعتراف والمكافأة بدورة المتابعة، ولا تنحصر فقط في نهاية السنة أو مثل ذلك.
خامسا: إيجاد الحافز هو عنصر مهم وحيوي يستحق الاهتمام. أسوأ إدارة للأداء تلك التي يفتقد فيها الفريق فيها إلى حافز الأداء، تتحول المسألة حينها إلى إرهاق وثقل وتعارضات لا نهاية لها. لذا على مصمم البرنامج ومنفذه البحث عن الحوافز العامة على مستوى المنشأة والإدارة وعن الحوافز الخاصة الفردية التي تحافظ على الاستمرارية وتدفع نحو تحقيق النتائج بشكل مستمر؛ قد ترتبط الحوافز بالإنجاز وتحقيقه، أو بتحسين النتائج والعوائد، أو بالتطوير والتعلم.
وأخيرا، أشير إلى استخدام أدوات إدارة المشاريع الحديثة. في السابق كانت ممارسات إدارة المشاريع أمرا يخص أهل البناء والعمران، ثم تميز في هذا المجال - ولهم كثير من الفضل في تطويره - مطورو الأنظمة والمبرمجون. واليوم تتاح العشرات من الأدوات المميزة والمبسطة التي تحسن من تطبيق العناصر أعلاه، فترفع من جودة التخطيط والمتابعة والتواصل والإنجاز والمكافأة. وفي رأيي مهارة استخدام أدوات إدارة المشاريع ليست أمرا خاصا بمديري المشاريع، بل هي اليوم مهارة مهمة لكن من يدير الأداء، سواء أداء المنشأة أو الفرق التي تعمل بها أو الأداء الشخصي الخاص، وهذا يعني الجميع.

إنشرها