التعليم والتحدي المعرفي .. المسيرة بين الماضي والمستقبل «1»

|

لعل بين أهم موضوعات التعليم المعروفة تاريخيا، ما كان يطلق عليها تعبير "الفنون السبعة" التي كانت تطرح في مدارس الإمبراطورية الرومانية الشرقية في القرن الخامس للميلاد، واستمرت بعد ذلك سنوات طويلة، وتشمل هذه الموضوعات: "قواعد اللغة، والمنطق، والخطابة، والحساب، والفلك، والهندسة، والفنون". وقد أثرى تعليم هذه الموضوعات حياة الناس وحركتهم في تلك الحقبة من التاريخ، ومكنهم من بناء صروح بقيت آثارا تبرز إمكاناتهم لتراها وتستمتع بها الأجيال جيلا بعد آخر.
سنطرح في هذا المقال ومقالات أخرى مقبلة، بمشيئة الله، موضوع التعليم والتحدي المعرفي لأربعة موضوعات رئيسة، متكاملة في تأثيرها، لا تتميز بالأهمية فقط، بل بتزايد مستمر في هذه الأهمية؛ نظرا لمعطياتها المتجددة والتنافس على إنجازها. الموضوعات المقصودة هنا هي: "العلوم Science؛ والتقنية Technology؛ والهندسة Engineering؛ والرياضيات Mathematics" التي يعبر عنها بالاختصار "ستيم" STEM. ولعل من المفيد الإشارة هنا إلى أن هذه الموضوعات كانت وراء الثورات الصناعية الأربعة التي شهدها العالم منذ القرن الـ18 للميلاد وحتى الآن.
كانت هذه الموضوعات وراء "الثورة الصناعية الأولى" التي اعتمدت على الآلة البخارية، وصناعات الحديد والنسيج؛ ثم وراء الثورة الصناعية "الثانية" التي شهدت ظهور الاتصالات والطاقة الكهربائية والإنارة والسيارة والطائرة؛ وبعد ذلك وراء الثورة الصناعية "الثالثة" التي قدمت الحاسوب والإنترنت؛ ثم وراء "الرابعة" التي بدأت تعطي الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتقنية الحيوية وتقنيات النانو. والواضح أن المزيد قادم، ويجب الاستعداد له وتأمين الجاهزية اللازمة ليس فقط لاستيعابه والاستفادة منه، بل الإسهام والريادة فيه أيضا. ولا شك أن "التعليم" بجميع مراحله هو العامل الأساس للجاهزية المطلوبة، فهو وسيلة لبناء الأوطان في كل زمان ومكان.
مع بدايات القرن الـ19 للميلاد بدأ "التعليم العام" بالشكل المعروف اليوم، وكان يراد له، ومنذ البداية، أن يكون إلزاميا للجميع، وتطور لينقسم إلى ثلاث مراحل تمتد "12 عاما K-12"، ولينتشر على مدى العالم بأسره. وقد التزم هذا التعليم بصفة "العام" التي أطلقت عليه، حيث شمل مختلف الموضوعات دون عمق معرفي مؤثر في أي منها، بما في ذلك الموضوعات الرئيسة الأربعة سابقة الذكر. لكن العمق المعرفي في هذه الموضوعات حظي باهتمام الزراعة والصناعة، لأنه الوسيلة المطلوبة لتطورها، وانتقل هذا الاهتمام إلى مستوى الدول. وسنطرح بعض الأمثلة حول ما جرى في العالم، عبر ما هو مسجل وموثق في التاريخ العلمي.
في أمريكا، على سبيل المثال، صدر عام 1862 قانون لتشجيع هذا الاهتمام، يعرف "بقانون موريل" Morrill. ويقضي هذا القانون بمنح أراض في جميع الولايات لكل كلية يجري تأسيسها على أن تركز على "العلوم الزراعية" Agriculture و"الهندسة الميكانيكية" Mechanical؛ والغاية هي تفعيل إنتاجية كل من القطاعين الزراعي والصناعي. وقد أدى هذا القانون إلى تأسيس كليات من هذا النوع في مختلف الولايات، أصبحت فيما بعد جامعات مرموقة مثل "جامعة ولاية أوهايو" Ohio State Univ، و"جامعة ولاية ميشيجان" Michigan State Univ، و"جامعة تكساس" Texas A&M Univ التي ما زالت تحمل الحرف الأول من موضوعي الزراعة والميكانيكا في اسمها.
ولأن التطور يحتاج إلى دوافع، والدوافع تأتي بأشكال مختلفة، منها الطموح ومنها مواجهة التحديات، فقد شهد العالم تحديين عسكريين مهمين في القرن الـ20 دفعا الدول الصناعية المختلفة إلى الاهتمام بالموضوعات الأربعة، وتحقيق ما حققته بعد ذلك. جاء التحدي الرئيس عندما بدأت طبول الحرب العالمية الثانية في ثلاثينيات القرن تعلو، حيث كانت خبرة الحرب العالمية الأولى تقول إن المعرفة العلمية والتقنية هي السلاح الرئيس الأقوى لكسب الحروب. وبالفعل اهتمت هذه الدول بالموضوعات الأربعة وأعطت اكتشافات ومبتكرات كثيرة بينها: الرادار، وتفعيل الطاقة النووية، واستخدامها مع الأسف في الدمار المروع الذي حدث في كل من "هيروشيما و"ناجازاكي". وبعد انتهاء تلك الحرب، وفي خطوة لمزيد من الاهتمام بالموضوعات الأربعة، أنشأت أمريكا، عام 1950، هيئتها البحثية الشهيرة "مؤسسة العلوم الوطنية" NSF.
التحدي العسكري الثاني جاء فيما يعرف بفترة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي السابق في الشرق وبين الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا في الغرب. ففي عام 1957 أطلق الاتحاد السوفياتي القمر الصناعي "سبوتنيك" Sputnik، أول قمر صناعي عرفه العالم، وكان هذا الحدث تحديا علميا وتقنيا للغرب. وكان الرد هو "إنشاء وكالة الفضاء الأمريكية" NASA التي دخلت سباق الفضاء وأنزلت أول إنسان على سطح القمر عام 1969.
أمام الطموح العلمي والتقني والتحدي الاقتصادي، تحركت دول كثيرة في ذلك الوقت، خصوصا في آسيا، نحو الموضوعات الأربعة، لتقدم منتجات تنافس منتجات الدول الصناعية التقليدية. وأمام تزايد هذه المنافسة، ركز الرئيس الأمريكي في خطابه عام 2011 على ضرورة اهتمام التعليم بالموضوعات الأربعة ليس فقط في إطار التعليم العالي، بل في التعليم العام أيضا، استجابة لمتطلبات المنافسة والإسهام في التقدم في القرن الـ21. واهتم في هذا الإطار بضرورة إعداد المدرسين اللازمين لهذا الأمر. ومن اللافت أن الرئيس الأمريكي، في تأكيده أهمية المدرسين، نقل في هذا الإطار ما يقال في الدولة الصاعدة كوريا الجنوبية عن المدرسين: إنهم "بناة الأمم" Nation Builders بعد الآباء.
لا شك أن مزيدا من الاهتمام بالموضوعات الأربعة "العلوم والتقنية والهندسة والرياضية" STEM بات ضرورة يجب التوجه نحوها والاستجابة لمتطلباتها، ليس فقط في إطار التعليم العام والتعليم العالي، بل على صعيد البحث العلمي، والإبداع والابتكار، والتطبيق الفعلي للمعرفة المتجددة في تقديم معطيات غير مسبوقة. فنحن اليوم نعيش في عصر الثورة الصناعية الرابعة، وعلينا ألا نكون متفرجين فقط، ولا مستفيدين من معطياتها فقط، بل نكون فاعلين في عطائها أيضا. وتجدر الإشارة إلى أن المملكة ودول الخليج تشهد حاليا اهتماما واضحا بهذه الموضوعات، فقد أقامت مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة" أخيرا ندوة جامعية عرضت ما يجري بشأنها في عدد من دول الخليج، والأمل دائما في مزيد نحو التقدم والعطاء.

إنشرها