مسلسل «الفاشينستا والمؤثر»

|

تحدث أمور يصعب على البعض أن يصدقها، لكننا نصدقها مضطرين في النهاية، بسبب أنها أصبحت واقعا لا يمكن تجاوزه. خذ مثلا تأثير وسائل التواصل الاجتماعي علينا جميعا، في طرق تواصلنا مع أعز وأقرب الناس، ومع الأصدقاء، ومع زملاء العمل، أصبحت مجموعات واتساب هي المجالس، وهي الحارات. الناس يتحدثون إلى بعضهم دون أن يكونوا سويا. وحتى في طريقة متابعتنا للأخبار وللمسلسلات التلفزيونية، هل تذكرون كيف كانت الأسرة تتجمع للعشاء قبل أو بعد المسلسل؟ أو قبل أو بعد نشرة الأخبار؟ أما السهرة فكانت جولات من المصارعة الحرة تجعلها تعليقات الراشد أكثر متعة وإثارة عما هي عليه بالفعل. كانت تلك تمثل أحاديثنا جميعا في اليوم التالي، أو بداياتها، على أقل تقدير. خذ مثلا "وضحى وابن عجلان" على سبيل المثال لا الحصر. الآن، كل هذا أصبح من الماضي، وعلى الرغم من أنه كان حالنا قبل سنوات قليلة، إلا أنه يبدو وكأنه ماض سحيق نستجلبه من غياهب التاريخ، رغم أنه ليس كذلك. إذن، الأمر لم يعد رتيبا متسلسلا محدودا في قنواته وتنوعه، فوسائل التواصل الاجتماعي لم تترك أمرا بعيدا بما في ذلك "نتفليكس" التي غزت منطقتنا أخيرا غزوا لا هوادة فيه، فوضعت ــ أو هي في طريقها لأن تضع ــ القنوات التلفزيونية على رف النسيان، وفي فئة "لا لزوم لمن لا لزوم له"! الآن، وسط كل هذا الهيجان والمخاض الذي يتلوه مخاض تجد أن الأمر لم يتوقف عند كيفية مشاهدة المسلسلات الدرامية ونشرات الأخبار الرتيبة، بل حتى تغير مفهوم "الإعلام الأفلاطوني" الذي كانت القنوات الحكومية تستميت كي لا تحيد عنه، وهو التعامل مع الإعلانات والترويج للشركات. وباعتبار أن الشركات لا تستطيع العيش من دون تسويق، فملأ الفراغ قنوات خارج الحدود، وبقي لنا داخل الحدود فتات من تلك الميزانيات، نحارب حاليا لاستعادتها. ويبدو أننا نستعيدها بطرق غير منهجية، أو لنقل هي جهود لا تؤطرها استراتيجية ولا يضبطها برنامج من الجهود وخطة زمنية محكمة. أنظر إلى المشهد، فيما تسجى صحافتنا الورقية التقليدية على أسرة الإعياء نتيجة تدني إيرادات الإعلان، نجد أن المعلنين يلهثون خلف "الفاشينستا" و"المؤثرين"، هنا تجد صاحب مطعم «يتقاول» مع «فاشينستا» لتناول الإفطار مع صديقاتها في مطعمه ونشر مقطع من "الضحوية" على "الإنستجرام" مقابل مبلغ متفق عليه، وهناك من لديه مناسبة «يتقاول» مع "مؤثر" ليغرد بها والدفع بمقابل لكل تغريدة. كل هذا لا يهم، ما يهم أين المحركات؟ أين الوكالات؟ وأين شركات الاتصال والتواصل التي تنظم الحركة؟ وهل نحن "رادفين" أم "مردوفين"؟

إنشرها