"من ترك المراء"

|

تعجبت لأمر صاحبي وهو يخرج من نقاش كان هو صاحب الرأي الصائب فيه بعد أن كان المحاور المتمكن الذي لا يشق له غبار، عندما بادرته مطالبا إياه بتبرير خروجه من النقاش بالشكل الذي رأيت، ومحاولا أن أثير نعرة الاتجاه المعاكس فيه ذكرني بحديث نبوي عظيم قال فيه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقا".
تلكم الميزة العظمى التي لا يتقنها ويألفها ويطيقها ويطبقها سوى أصحاب الهمم العظيمة والسيطرة القوية على "الأنا". ذلك أن المجتمعات البشرية تقوم كليا على الرغبة في البقاء، ومن ذلك السيطرة في مجالات جسدية وفكرية وعقائدية وكل ما سوى ذلك هو من الأمور التي قد لا تهتم لها بيئات كثيرة.
المجتمع الذي يصنع الأبطال والعظماء توجد في مكوناته مفاهيم وأوليات مختلفة تتناغم مع العظمة التي بها حقق المسلمون الأوائل السبق والنصر والانتشار في كل العالم. كسب الآخر وتأكيد أن الأهمية تتركز على التعايش والتفاهم والتواد بين المختلفين، وعدم تحميل الأمور أكثر مما تستحق من الوقت والفكر والاهتمام، يجعل أشخاصا معينين يحظون بالحب والاحترام والقبول.
يرى صاحبي أن جلوس المرء في خلوة سيجعله يعيد التفكير فيما حدث ويسمح له باسترجاع وقبول الرأي الذي كان يحارب من أجل إثبات خطئه، والأهم من ذلك أنه سيتقبل من كان سيخسره في النقاش المباشر، بل إنه قد لا يميل إلى مخالفته في المستقبل بحكم أنه عرف الحق واكتشفه دون ضغط "الهزيمة أمام الرأي المخالف".
من هنا تبنى كثير من العلاقات الودية التي تأتي بعد اختلاف وتنشأ معادلات جديدة في التعامل بين الناس. من هنا نتأكد أيضا أن الخروج عن النزعة الشخصية والاعتداد بالرأي قد يكون وسيلة لبناء فكر ونظرة تجعلنا أكثر إشعاعا في مجتمعنا وإثارة للحب والتفاهم.
أمر آخر أكده صاحبي وهو يضرب لي مثالا آخر حضرته معه، هو أن ترك المراء يؤدي في حالات كثيرة إلى توفير فرص كبرى للحصول على التأييد في مجالات مختلفة، مثل أن يصبح الشخصان أكثر شفافية وانفتاحا مع بعضهما بما يضمن أن يصارح شخص الآخر بكثير من اهتماماته ومخاوفه وآماله، وهذا بحد ذاته يرفع المعنويات ويزيد القبول في المجتمع، فبدلا من خسارة شخص أو أشخاص أو مجموعات نضمن دعمهم واهتمامهم ومحبتهم في مواقف أخرى.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها