شاي جمر

|


ذهبت في نهاية الأسبوع لمطعم شعبي للأكلات البحرية، وعلى الرغم من بساطته إلا أنه من وجهة نظري من بين الأفضل، وبالقطع هو أفضل من بعض الأماكن "الفخمة" فئة خمس نجوم، التي تقدم لك سمكا أكل الزمان عليه وشرب وبأعلى الأسعار، وهو بالقطع، بالنسبة لي، أفضل من بعض مطاعم "السي فودد" التي تبيعك السمك بالجرام وليس بالكيلو، وتضرب سعر الجرام في عدة أضعاف، لدرجة أنه عندما تصلك الفاتورة تشعر كأنك داخل لدفع قسط للشراكة في المطعم وليس قيمة لوجبة عابرة!
أعود لموضوعي، بعد أكلة بحرية معتبرة عبارة عن "صالونة روبيان" و"كنعد مقلي" و"كنعد مشوي" وبالطبع أرز "مشخول"، طلبت الفاتورة، وكانت تعادل ما يمكن أن أشتري به كوبي شاي في أحد مطاعم "الخمس نجوم" التي تقدم لك سمكا "بايتا" وتعوض عنه بعدد كبير من الملاعق والشوك وصحون تشاينا و"أمبيانس"! أعود للموضوع، بعد الوجبة الفاخرة جوهرا والبسيطة مظهرا، طلبت كوبي شاي، فأشار النادل إلى ناحية من المطعم: هناك يوجد "شاي جمر"، هل تريد أن آتي لك بكوبين؟ وهي بالمجان ضيافة المحل! شكرته وقلت له سأذهب، وبالفعل وجدنا إبريقي شاي ضخمين وتحتهما الجمر تغطيه طبقة من الرماد. منظر ولا أروع، وبالقرب منه السكر، والسكرين والنعناع كذلك! كل هذا ضيافة. إذا هنا يقدم "شاي الجمر" بالمجان، ويقدم السمك الطازج بأسعار في المتناول. قد يقول قائل: ولم تشغلنا هذه التفاصيل الحياتية؟ التفاصيل الحياتية هي أساس كثير من قراراتنا، ومكاسبنا. خوفي الكبير أن يتمحور الذوق العام ليس فقط على الاستهلاك، بل أن يتقبل الاستغلال، بمعنى ألا نفكر أن علينا الحصول على قيمة مقابل ما ندفع من مال. فمثلا عندما تذهب إلى فندق أو مطعم فخم فأنت تتوقع أن تدفع سعرا أعلى، لكنك تتوقع كذلك مقابل السعر المرتفع جودة طعام أعلى ومكونات منتقاة وخدمة رائعة. فإن لم تحصل على ذلك فستشعر بالغبن. فهل نحصل على ذلك؟ أعود لـ"شاي الجمر" الذي أصبح هو والـ"فود ترك" كنايتين عن بدايات لمن لا يجد عملا أو لمن يريد أن يبدأ بداية بسيطة ثم يبني على النجاح نجاحا، لأقول: إن التسعير للمنتج قرار خطير، فقد يجلب الزبائن وقد يحدث العكس. بمعنى أن التسعير يجب أن يقوم – ضمن أمور أخرى - على المنافسة، والفئة المستهدفة، وقدرة الزبائن على الدفع، ومع كل ذلك ينبغي أن تكون لك فلسفة معينة للتميز عن الآخرين، كأن تقدم حبة شابورة مع "شاي الجمر"، ولا تنس أبدا الابتسامة.

إنشرها