تخويف الناس من «بعبع» أزمة مالية جديدة

|


أن تكون كاتب عمود أسبوعي في صحيفة رصينة مثل "الاقتصادية" الغراء، فلا بد أن تمضي الأسبوع، وأنت تفكر مليا في موضوع العمود، وكيفية جعله موائما ومناسبا ومستجيبا لما يرغب فيه القراء.
لا علم لي إن أفلح هذا العمود في هذه المهمة الشاقة أم لا – أترك ذلك للمتلقين الكرام – بيد أنني سأحاول اليوم تقديم خلاصة قراءتي لهذا الأسبوع في الصحافة العالمية مع تحليل نقدي للمحتوى.
كان الأسبوع مليئا بالتحليلات والمقالات مفادها أننا مقبلون على أزمة مالية جديدة تشبه، أو ربما تفوق في تبعاتها الأزمة المالية التي عصفت بالاقتصاد العالمي في عام 2008.
وما جذب انتباهي كانت الثقة التي يتحدث فيها الكتاب والصحافيون في تحليلاتهم. وكذلك كانت الثقة الشبه مطلقة للمصادر التي استندوا إليها في الوصول إلى استنتاجاتهم.
والناس تحب هكذا تقارير وتهرع إلى قراءتها. والإعلام تجذبه هكذا كتابات لأنها تستحوذ على ألباب القراء، وتشكل موضوعا للتفاعل بين القراء في تعليقاتهم سواء على الموضوع مباشرة، أو ضمن منصات التواصل الاجتماعي.
وأي قراءة متأنية للمصادر الأولية التي تستقي منها هذه التقارير معلوماتها، ستظهر أن منبعها مراكز الأبحاث والاختصاصيين القائمين على إدارتها.
والصحافة كمهنة تندثر ولا قيمة لها دون المصادر، التي تشكل عصب التقارير والأخبار. وإن تفحصنا المصادر لرأينا مؤشرات واضحة تكاد تشكل قاسما مشتركا بينها.
فترى أنها تنطق بالفكرة ذاتها ولو بلغة مختلفة. والفكرة المركزية تدور حول أن أزمة مالية شديدة على الأبواب وعلى الحكومات وأصحاب الشأن أخذ التحذير في عين الاعتبار.
ولأن أزمة عام 2008 أخذت العالم دون سابق إنذار، فترى أن المصادر هذه ومراكز الأبحاث التي ينطقون باسمها لا تترك فرصة إلا وفيها إنذار مبين أننا على شفا كارثة مالية.
لا يخفى أن المستفيد الأول من حالة الهلع هذه هي البنوك والمصارف التي تتحكم في المال. ولن ننسى أيضا أن سبب الأزمة المالية الشديدة في عالم 2008 كانت هذه المصارف ذاتها.
وكي نضع القصة برمتها ضمن سياقها العام، علينا التذكر أن المصارف بصورة عامة تعد الممول الرئيس لكثير من مراكز الأبحاث والباحثين في العالم.
هل من مصلحة المصارف ولا سيما الغربية منها القول إننا تجاوزنا أزمة 2008 وإن الاحتياطات التي لدينا قد شيدت سدا منيعا بيننا وبينها؟ لا أظن. والسبب واضح. وضع بدون "بعبع" يهدد الاقتصاد العالمي ويبث الطمأنينة في النفوس لم يعد من مصلحة الرأسمال الذي تقبع على قمته المصارف الغربية الكبيرة.
لا شيء يخيف المصارف مثل القيود التي تفرض عليها لتقنين وتحديد الإقراض. ولا شيء يربك المصارف مثل الوضع الذي تكون فيها مضطرة إلى دفع فوائد عالية على الودائع التي لديها.
منذ عام 2008 لم تدفع أغلب المصارف الغربية الكبيرة والصغيرة أية فوائد تذكر للمودعين. إن طلب شخص قرضا بنصف مليون دولار لشراء بيت مثلا، لفرضت عليه فائدة قد تصل إلى 4 في المائة.
ولكن إن أودع هذا الشخص نصف مليون دولار في المصرف ذاته، لما حصل على فلس واحد كفائدة؛ لا بل هناك من المصارف من قد يفرض عليه عمولة لإيواء ماله.
ربما لم تمر المصارف الغربية في بحبوحة مثل التي هي فيها منذ أزمة عام 2008. في السنين العشر التي تلت هذه الأزمة، حاولت ولا تزال الحكومات والمؤسسات بذل ما بوسعها في خدمة المصارف، خشية تكرار الأزمة.
وهكذا صرنا أمام خطاب وسرديات تكاد تحتلنا كل يوم، وهي تقرع على رؤوسنا أن أزمة مالية جديدة تطل علينا، ما يسبب كثيرا من الإرباك والقلق على مستويات عديدة.
وقد يقول البعض إن تدني أو انعدام أسعار الفائدة كان وراء انتعاش أسواق الأوراق المالية في الغرب. هذا صحيح، ولكن قد لا يعرف الكثيرون أن كبار المستثمرين في هذه الأسواق هم المصارف.
ومن هنا قد يكون لدينا تفسير نقدي للتقارير التي تقول إن ألمانيا صارت على شفا السقوط في هاوية الركود الاقتصادي. السبب بالنسبة لي غير مقنع. القول إن الدخول في فترة ركود ستقع لأن نسبة النمو في ألمانيا، وهي أكبر اقتصاد في أوروبا، بلغت 1.5 في المائة في العام الفائت لا يؤشر إلى أننا قاب قوسين أو أدنى من أزمة مالية جديدة.
وأظن لا يجوز أن نشهر "بعبع" أزمة مالية جديدة لأن أغلب المستثمرين الكبار الذين شاركوا في استبيان في هذا الخصوص يتوقعون ذلك.
لا ينكر أن عالمنا اليوم ليس فقط مليئا بالمفاجآت، بل صار مثل الأواني المستطرقة، حيث يسيل الماء بين الأنابيب دون عوائق. إنه عالم المصائب الذي فيه صارت مصائب قوم عند قوم مصائب ومن النادر فوائد.
فلو هزت عاصفة أزمة مالية ألمانيا، لن تصاب أوروبا بالزكام معها فقط، بل قد تنهار بعض أركانها. ألمانيا هي الشريك الاقتصادي الرئيس لأغلب دول الاتحاد الأوروبي ومن ضمنها بريطانيا.
ولكن لا أظن ومن خلال قراءتي المتواضعة أن أركان الاقتصاد الألماني من الهشاشة بمكان. والله أعلم.

إنشرها