القطاع الخيري أكبر من أكياس أرز وبطانيات

|
كاتب ومستشار اقتصادي


يشكل القطاع الخيري المكون الأكبر من القطاع الثالث الذي يسمى القطاع غير الربحي، ورغم حداثة التسميات والتقسيمات إلا أن العمل الخيري قديم بقدم وجود الإنسان على الأرض، فالشخص الذي يعطي الآخر لقمة تسد جوعه يقوم بعمل خيري، والبدوي الذي يمنح جاره الفقير بعض شياهه ليحلبها لأطفاله ويعيدها إليه لاحقا يقوم بعمل خيري، والمزارع الذي يوزع نتاج نخيله على فقراء قريته يقوم بعمل خيري.
العمل الخيري ارتبط بظاهرة الفقر ونشأ بسببها، فلو كان لدى جميع الناس دخول تكفيهم على الشراء من السوق لما احتاج المجتمع للقطاع الخيري، وهذا يعني أن القطاع الخيري وجد ليكمل عمل السوق وليس بديلا عنه، وبمعنى آخر يجب أن يكون تركيز العمل الخيري وقياس نجاحه هو عدد من أخرجهم من صفوف الفقر، وألحقهم بالطبقة المتوسطة المعتمدة على نفسها في اكتساب معيشتها من خلال السوق.
في السعودية، ورغم كثرة حديثنا وملتقياتنا وتنظيراتنا عن أهمية القطاع الخيري وضرورة تنميته؛ إلا أن واقع حال القطاع يقول إنه ما زال متأخرا، والجهود التي تبذل فيه- رغم حجمها- لا تتعدى مجهودات فردية غير منظمة، والحوكمة والمؤسساتية غائبة في هذا القطاع، وجل عمل هذا القطاع ما زال تقليديا يقوم على توزيع الأرزاق على المحتاجين من أرز ودقيق وسكر وبطانيات حينما يحل فصل الشتاء، ولست أقلل من هذه الجهود، ولكنني أتطلع إلى قطاع خيري أفضل وأوسع أثرا.
وبالتأكيد، مع عدم الاهتمام بهذا القطاع فلا يتوقع أن يكون له أثر يذكر في الناتج المحلي ولا في التوظيف ولا في الحراك الاقتصادي في البلد، فالأرقام المستقاة من تقرير "آفاق القطاع غير الربحي 2018" الذي أصدرته مؤسسة الملك خالد الخيرية- وهي من أنشط المؤسسات الخيرية في مجال البحوث والدراسات- تقول إن عدد مؤسسات القطاع غير الربحي في المملكة يبلغ 2598 مؤسسة، توظف 47 ألف عامل فقط، ولا تتجاوز مساهمة القطاع في الناتج المحلي أربعة مليارات ريال، وهو رقم ضئيل، مقارنة بحجم الناتج المحلي الذي يفوق 2.5 تريليون ريال.
ولو فصلنا القطاع الخيري عن القطاع غير الربحي لوجدنا أن لدينا ما يربو على 686 جمعية خيرية تحت مظلة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى ثماني مؤسسات مستقلة (تسمى المؤسسات المانحة) ولا توظف جميعها إلا نحو 22 ألفا فقط، ولا تزيد مساهمتها في الناتج المحلي على 0.3 في المائة؛ ولا تزيد المشاريع الخيرية التي توائم أهداف التنمية طويلة الأجل عن 7 في المائة فقط، وكل ما سبق يدل على مؤشرات غير جيدة لهذا القطاع.
لم تهمل "رؤية المملكة 2030" القطاع غير الربحي، ووعدت بـ "رفع مساهمة القطاع غير الربحي في إجمالي الناتج المحلي من أقل من 1 إلى 5 في المائة"، إلا أن الواضح أن جهود وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ما زالت محدودة ومتواضعة، وأشك في قدرتها على الوصول لما تهدف إليه "الرؤية".
بالطبع، هناك صعوبات تواجه أو ستواجه تطوير القطاع الخيري- إن كانت الوزارة فعلا جادة في تطويره- منها غياب المؤسساتية، وقلة المعلومات المتاحة، وضعف الإمكانات المادية، وعدم استخدام التقنية الحديثة في القطاع الخيري، وقلة الكوادر البشرية المدربة في مجال إدارة العمل الخيري. إلا أن هذه الصعوبات وغيرها يجب أن ينظر إليها على أنها تحديات يجب تجاوزها، وليست معوقات توقف أو تؤخر تطوير العمل في القطاع الثالث كله، والخيري على الخصوص.
وأختم بالتأكيد على أن العمل الخيري مرتبط بالفقر، ولذا فإن الهدف الاقتصادي للعمل الخيري يجب أن ينجز ويقاس ويقيم بعدد الناس الذين أخرجهم من الفقر والعوز وألحقهم بالطبقة الوسطى المنتجة والقادرة على اكتساب معيشتها من خلال عملها وجهدها، وما لم يكن هذا الهدف واضحا أمام الجميع، خصوصا الجهات التي تشرف على العمل الخيري فسيستمر العمل في تقليديته - يراوح مكانه. ولن يتجاوز العمل الخيري توزيع بطانيات ودفايات وأكياس أرز ودقيق وسكر للوجوه نفسها شهرا بعد آخر وعاما بعد عام، ولا أقلل من هذا الجهد، ولكن نظرتنا للقطاع يجب أن تتجاوز هذا المفهوم الضيق للوصول إلى قطاع حيوي يؤثر في المجتمع والاقتصاد والتنمية.

إنشرها