بنود التدريب والتعلم .. الحلول متنوعة

|


من تعاسة حظ بنود التدريب والتعلم، أنها من أول البنود التي تتعرض للقص والتخفيض عندما يكون هناك مشكلة مالية. إدارة المصروفات يجب ألا تكون مجرد إجراء علاجي يظهر وقت الأزمات، وإدارة المعرفة والتعلم يجب أن تكون عنصرا حيويا مستمرا ودائما في أماكن العمل. التعامل مع إدارة المصروفات بطريقة تنحصر على ردة الفعل، والتعامل مع التدريب كبند جانبي يمكن تأجيله وتخفيفه والتقليل منه مجرد خطوات في طريق تهالك المنشأة وتآكل ثقافتها ورحيل المواهب منها.
بدأت معظم الشركات وجهات العمل، أو ستبدأ قريبا وهذا توقيت متأخر بعض الشيء، في تحديد احتياجاتها التدريبية لهذه السنة في بيئة لا يعامل فيها التدريب كأولوية، وهذا ينطبق على المنشآت والأفراد على حد سواء. تتأثر المواهب بهذا الأمر، على الرغم من أن الدولة تولي هذه المسألة اهتماما كبيرا، فخادم الحرمين الشريفين في لقائه قبل أيام بأصحاب المهن أكد وجوب الاهتمام بتدريب المواطن ليهتم هو بدوره بالوطن منتجا ومؤثرا.
جزء من التقشف الحاصل حول العملية التدريبية يعود للتقشف الإداري والمعرفي. وأعني تحديدا محاولة إدارة موارد المنشأة بطرق مختصرة بأقل جهد ممكن، دون مراجعة أفضل الممارسات أو اتباع الأساليب القياسية في القيام بعملية مثل تخطيط وإدارة التدريب. المسؤولية هنا تشمل نوعين من المديرين، وكلاهما يتشاركان المسؤولية، الأول هو مسؤول الموارد البشرية المتخصص والمسؤول عن إدارة المعرفة والمهارة والمورد البشري داخل المنشأة، والثاني المدير المسؤول عن القدرات البشرية التي تعمل تحت إدارته.
عمليا، لا يمكننا الانتظار حتى تسير الأمور بشكل أفضل من تلقاء نفسها، فالوحدات المنتجة على خط الإنتاج والعملية الإنتاجية يجب أن تستمر. يملك المدير الجيد حلولا متنوعة لإدارة احتياجاته التدريبية داخل المنشأة، وقد يقوم فيها بمجهود إضافي لتجاوز التحديات التي يجبر على مواجهتها بسبب الواقع المحلي أو بسبب ضعف وتهاون إدارة الموارد البشرية، أو ربما تسلط المدير المالي على موازنة التدريب والتعلم!
هناك خمس خطوات مهمة ينبغي أن يلم بها كل مسؤول عن المواهب، ولا أعني موظفي الموارد البشرية المتخصصين، وإنما كل من يدير عددا من الأشخاص ويعد مسؤولا عن إدارة أدائهم وتحديد أهدافهم وتخطيط أعمالهم. أولى هذه الخطوات هي التخطيط للتدريب، سواء كان وفق آلية تحددها إدارة الموارد البشرية أو في غياب ذلك، تحليل الاحتياجات أمر مهم ولا غنى عنه وعدم القيام به يعني أن المدير بعيد جدا عن التوفيق بين مهام العمل وبين قدرات فريقه. يشمل التخطيط في العادة تحديد الاحتياجات العامة، بعد التوافق مع استراتيجية وخطط العمل وتحديد مواطن النقص، وإعادة ترتيب الأولويات ومن ثم ينتهي بخطة لتوريد ذلك إلى المستفيدين.
الخطوة الثانية تدخل في نطاق تحليل البدائل وتصنيفها مقابل المهارات المطلوبة، فهناك مهارات يمكن تنميتها بأكثر من طريقة مثل التدريب أثناء العمل أو التدرب في الخارج أو التدرب في برامج على النت، بينما هناك مهارات تتطلب وجود تدريب مباشر ولحظي وجها لوجه. وبعد هذه الخطوة يمكن العمل على الخطوة الثالثة وهي تحديد ما يمكن الحصول عليه عن طريق التدريب الذاتي. في السابق كان التدريب الذاتي أمرا صعبا، فالمحتوى المعرفي لم يكن متاحا كما هو اليوم والأدوات كانت ضعيفة. لكن اليوم ينبغي أن تحوز أي خطة تدريبية تطويرية على جزء لا بأس به من أهداف التعلم الذاتي التي يرتبط جزء منها بقيم المنشأة وتكون مطلبا من جميع الموظفين، ويرتبط جزء منها بالأهداف على مستوى الموظف، حيث تمكن متابعتها بشكل مستمر. يساعد وجود التدريب الذاتي على تحفيز الموظفين وتقييمهم بشكل موضوعي، ولكنه يحتاج إلى كم جيد من المساعدة التوجيهية والإرشادية. يمكن تحقيق التعلم الذاتي بأساليب تقليدية مثل القراءة والاستماع، أو بالحلول الموجودة على شبكة الإنترنت، أو ممارسات العمل مثل التدوين المنظم واجتماعات التعلم.
الخطوة الرابعة تقوم على الاستخدام الفعال للبدائل المبتكرة، وهذا يشمل الحلول المتنوعة على شبكة الإنترنت واستخدام أنظمة إدارة التعلم الحديثة LMS واستغلال قدرات الموظفين الخبراء داخل المنشأة. هناك كذلك من يجيد التبادل التدريبي والمعرفي مع الشركات الأخرى حتى المنافسة منها، وهذا خيار مفيد وقليل التكلفة إذا تمت إدارته بشكل مناسب. ومن الحلول استخدام آليات اللعب gamification وتمريرها ضمن أنشطة المنشأة حتى تلك التي لم تصمم أساسا للتعلم.
الخطوة الخامسة، لابد من وجود آلية للاعتراف بالجهود وتقديرها، والرسالة هنا للمديرين: حتى لو لم تيسر لك المنشأة آلية شاملة لتحفيز الموظفين يظل هناك عديد من الحلول المحفزة التي يمكن استخدامها دون مجهود يذكر ولكن نتائجها مؤثرة. ومن ذلك رسائل التقدير الإيجابية، واستخدام الأنواط والشهادات، وإجادة استخدام التقارير لمراقبة العملية التدريبية وتحسينها وتقدير المستفيدين منها. يجب كذلك التوفيق بين برامج إدارة وتقييم الأداء وبين مدخلات ومخرجات رحلة التدريب والتعلم بشكل ينعكس إيجابا على المستفيد. وسواء كانت الرحلة متقشفة أم لا، فالتعلم ممتع وفعال إذا ما تم تصميمه والاعتناء به كما يجب.

إنشرها