فتوة الجامعة وشيخوختها

|

تمثل الجامعة في أي مجتمع قوة معرفية، وثقافية، واقتصادية؛ نظرا لوجود عقول عالية التعليم، واسعة المعرفة، متنوعة المصادر، على اطلاع مستمر بتخصصاتهم الدقيقة، متابعة للتطور المعرفي الهائل، إلا أن هذا لا يمكن تعميمه على كل الجامعات في العالم لاختلاف الظروف الاجتماعية، والاقتصادية. والوعي بقيمة الجامعة يعود إلى نمو وتطور المجتمع، ولذا نجد جامعات لامعة لها تاريخ عريق في المعرفة، والمخترعات، والمنتجات الفكرية، العملية، والنظرية التي تقود العالم، وتحركه على جميع الأصعدة، وما الجامعات الرائدة عالميا إلا دليل قاطع على وعي مجتمعاتها بقيمة المعرفة، لذا وفرت لها من الإمكانات ما أهلها لهذه المكانة، وعلى النقيض من ذلك نجد جامعات ليس لها إلا الاسم، دون مضمون، ما يعني أنها في حالة شيخوخة منذ الولادة.
ترى هل من علامات على شيخوخة الجامعة؟ بالتأكيد الشواهد كثيرة، ومنها الانكفاء على الذات، وعدم الانفتاح على المجتمع بقطاعاته المختلفة، ومجالات الحياة المتنوعة، دراسة، وبحثا لمشكلاته الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والنأي عن الحراك الثقافي الذي ربما يقوده أفراد ومؤسسات خارج الجامعة، كالأندية، والجمعيات، أو المثقفين، وكم كانت قيمة مثل هذه الأنشطة عندما كنا طلابا في الجامعة! إذ لا تزال آثار مسرحية تنظمها الجامعة، أو أمسية شعرية، أو محاضرة تاريخية، أو أدبية تتداعى في الذهن بين فينة وأخرى، والسبب وراء التراجع؛ إما الشعور بالفوقية والإطلال على المجتمع من برج عاجي- كما يعاب على بعض الجامعات- وإما لضعف تأهيل المنتسبين للجامعة.
من مؤشرات شيخوخة الجامعة عدم القدرة على مسايرة التطورات، والتغيرات التقنية، والسياسية، والمعرفية، ومستجدات العصر كافة، ما يفقدها ومجتمعها الكثير؛ فلا تتفاعل مع الأحداث بندوات، أو مؤتمرات، أو ورش عمل تجعل منها بيئة حية بجميع المنسوبين من طلاب، وأساتذة، ولذا تمر الأحداث الجسام ذات التأثير الكبير سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا دونما نشاط يناقش ويحلل الحدث للخروج باستنتاجات، ودروس تساعد صاحب الصلاحية العليا على اتخاذ قرار، أو التخطيط لمشروع ذي قيمة على المستوى الوطني، فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما طرحت فكرة طرح نسبة من شركة أرامكو للاكتتاب المحلي، والعالمي لم أقرأ، أو أسمع أن جامعة من جامعاتنا عقدت ورشة عمل، أو ندوة كبيرة، أو صغيرة لمناقشة الموضوع.
فتوة الجامعة، أو شيخوختها تقاسان بنوعية الإنتاج العلمي ممثلا في الكتب المؤلفة والمحققة والبحوث المنشورة في أوعية النشر من مجلات علمية، أو مؤتمرات، وندوات، كما تقاسان بعدد براءات الاختراع لمنسوبي الجامعة، وهذا ما يحسب لبعض الأساتذة في جامعاتنا الذين سطرت أسماؤهم في قوائم المخترعين.
من خبرتي في الجامعة، ومن ملاحظاتي للأداء العام توصلت إلى قناعة يقينية أن الإدارة لها الأثر الفاعل في تقدم الجامعة، وتطورها، أو تحولها إلى مؤسسة بيروقراطية، لا يميزها عن إدارات الدولة الأخرى سوى الاسم، فافتقاد المرونة الإدارية، وربط الجامعة بدائرة بيروقراطية داخل الجامعة، وخارجها يعيقان تحركها، فعلى سبيل المثال تعيين معيد في أي قسم يحتاج إلى دورة تمتد لسنوات؛ لكثرة المحطات التي يمر بها الموضوع، وتعثره في بعضها، إما لسوء فهم، وتفسير للائحة، وإما لعدم توافر الوظيفة من الأساس؛ لذا تفقد الجامعة المميزين الذين يمكن تعيينهم لتعذر انتظارهم حتى تتخلص الجامعة من روتينها، أو تتوافر الوظيفة بعد موافقة جهات عدة خارج الجامعة على منح الوظيفة.
الإسراف المبالغ فيه عند تعيين أعضاء هيئة التدريس في وظائف إدارية يمكن أن يقوم بها أي موظف؛ يفقد الجامعة كفاءات تعليمية مميزة، وهذا ينعكس بدوره على الطلاب، وجودة التعليم، فانشغال الأستاذ لسنوات في العمل الإداري يبعده عن مجال تخصصه، ويفقده فرصة المتابعة الجادة للجديد المعرفي. وهذا الوضع يجبر الجامعة على التعاقد مع أفراد يمكن وصفهم بأساتذة الضرورة؛ نتيجة التعقيدات الإدارية التي تمر بها عملية التعاقد، إذ لم يعد الأمر ميسرا، حيث التعاقد يتم عن بعد، دون مقابلة، وفحص دقيق لشخصيته، ومستواه العلمي، ويقتصر الأمر على فحص أوراقه فقط، وهذا بلا شك غير كاف.
فتوة الجامعة تحتاج إلى كفاءات إدارية جيدة وإمكانات مادية، وبشرية عالية التأهيل، وتخلص من البيروقراطية القاتلة، ومنح الجامعات مرونة تخلصها من روتين المكاتب داخلها وخارجها من جهات لا تعي قيمة الجامعة في نمو المجتمع، أو تعي لكن لا يهمها ذلك.

إنشرها