التحدي المعرفي للتحول الرقمي «السوبر - سيبراني»

|

شهد العالم عبر التاريخ تحولات متعددة في طبيعة حياة الإنسان وانتقاله من عصر إلى آخر، وكانت المعرفة وتطبيقاتها التقنية وتطورها المستمر "المحرك الرئيس" لهذه التحولات. ونحن اليوم أمام معارف وتطبيقات تقنية تتسارع باطراد في مختلف المجالات. ولعل أبرز هذه المجالات تأثيرا في حياة الإنسان هو مجال "التقنية الرقمية" الذي يشمل كل ما يرتبط بتقنيات الاتصالات والحاسوب والشبكات والإنترنت، والتطبيقات المختلفة والمتجددة المرتبطة بها، والمؤثرة في جميع المجالات الأخرى. فقد أوجدت هذه التقنية عالما جديدا لحياة الإنسان "يدير عالمه الحقيقي"، حيث تغيرت "نماذج العمل" سواء في الإنتاج أو الخدمات، وتغيرت أساليب "التواصل الاجتماعي". هذا العالم الجديد بات حقيقة في إدارة حياة الناس، فأطلق عليه لقب "العالم السيبراني" Cyberworld.
يأخذ "العالم السيبراني" اليوم منحى جديدا من التطور تقوده مستجدات التقنية الرقمية في حقل "الذكاء الاصطناعي" الذي يسعى إلى نقل "ذكاء الإنسان" إلى "الحاسوب"، ومن خلاله إلى "الآلات في مختلف المجالات"، وإلى "الإنترنت" التي لم تعد "إنترنت الأشخاص" فقط، بل "إنترنت الأشياء" أيضا. وقد أضاف ذلك إلى "العالم السيبراني" إضافة مهمة تزداد مع الزمن عمقا في التأثير في حياة الإنسان مهنيا واجتماعيا. وهكذا نجد أنفسنا اليوم أمام عالم متطور جديد نستطيع أن ندعوه بالعالم "السوبر - سيبراني Super - Cyberworld". يعدنا هذا العالم بكفاءة وفاعلية أعلى في العمل والإنجاز، وبحياة مرفهة تحوطها خدمات غير مسبوقة. لكن ذلك لا يأتي بغير "تحديات" تجب مواجهتها، وإعداد "الجاهزية اللازمة" للتعامل مع هذا العالم والاستفادة منه، والسعي إلى "التأثير" الاستباقي فيه.
التحدي الرئيس الذي يجب إعداد الجاهزية اللازمة لمواجهته هو "تحد معرفي" يتشعب إلى ثلاثة جوانب رئيسة. الجانب الأول هو جانب "المعرفة في التقنية الرقمية عموما وتقنية الذكاء الاصطناعي بشكل خاص"، والتطبيقات المختلفة المرتبطة بها. والجانب الثاني هو جانب "تفعيل قدرة الإنسان على التفكير" والإبداع والابتكار والحكمة، كي لا تكون الآلة الذكية بديلا عنه في مختلف الأعمال. أما الجانب الثالث، فهو جانب "ابتكار نماذج عمل جديدة" تستفيد من كل من كفاءة الآلات الذكية في العالم "السوبر - سيبراني"، ومن الإنسان المؤهل القادر على تقديم ما لا تقدمه الآلة. وسنلقي الضوء فيما يلي على كل من هذه الجوانب الثلاثة.
إذا بدأنا بجانب "المعرفة في التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي" نجد أن الاهتمام بهذه المعرفة يأخذ منحى متزايدا. وقد تطرقنا في مقال سابق إلى قيام "سنغافورة" Singapore، منذ عام 1997، بالعمل على إعداد الثروة البشرية للعالم السيبراني وتطور التقنية الرقمية، وذلك عبر خطط تعليمية متتالية تسعى إلى تأمين "الجاهزية المعرفية" اللازمة للإسهام في المسيرة العلمية العالمية في هذا المجال. وتسعى الصين، طبقا لخطتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، إلى جعل "المقررات الأساسية" في هذا الموضوع متطلبا للدارسين في مختلف المجالات. والمنطلق إلى ذلك هو أن لتطبيقات هذا الذكاء دورا فيها جميعا، إن كان ذلك قائما حاليا، أو كان آجلا في المستقبل.
طرحت الخطة الصينية، إضافة إلى ما سبق، "الموضوعات التخصصية" المهمة في التعليم الجامعي للذكاء الاصطناعي، وشملت هذه الموضوعات: "نظريات هذا الذكاء وتقنياته؛ وتعلم الآلة والتفاعل معها؛ وتمييز كل من الأشكال والصور والكلام؛ والشبكات العصبية الاصطناعية؛ وتحليل البيانات واستخراج المفيد منها؛ وخوارزميات الحلول المثلى؛ ومعالجة اللغات الطبيعية؛ وغير ذلك". وتضمنت الخطة تطبيق الذكاء الاصطناعي في مجالات: "البنية الأساسية، وإنترنت الأشياء؛ والحوسبة السحابية، وقواعد البيانات، والبيانات الكبرى، وغيرها".
ونأتي إلى جانب "تفعيل قدرة الإنسان على التفكير" والإبداع والابتكار والحكمة، فكثير ما يقال إن نظام التعليم التلقيني يحد من هذه القدرة ويمنعها من الانطلاق، لتأتي بعد ذلك الأعمال التقليدية الروتينية لتعزز عدم الحاجة إلى هذه القدرة الإنسانية المتميزة. ولا شك أن التوسع في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته يحفز على إعادة النظر في الأمر لأن الآلة الذكية تستطيع القيام بكثير من أعمال الإنسان الحالية بكفاءة وفاعلية؛ وعلى ذلك يصبح تفعيل قدرات الإنسان في التفكير والإدراك والتجديد ضرورة للقيام بأعمال لا تستطيع الآلة القيام بها. والطريق إلى ذلك هو تطوير التعليم بشتى مراحله في هذا الاتجاه. ويتطلب ذلك تأهيل المعلم وتعزيز إمكاناته في تأهيل الطالب. وتجدر الإشارة هنا إلى أن اعتماد محاضرات مسجلة في الموضوعات المختلفة عبر الإنترنت في المدارس، يتيح للمعلم التفرغ لطرح التفكير والحوار مع الطلاب بشأنها بعد عرضها، لتعزيز الفهم والإدراك وتفعيل التفكير والإبداع.
ونصل إلى جانب "ابتكار نماذج عمل جديدة" توظف الذكاء الاصطناعي والآلات الذكية من أجل تعزيز الأداء وتحسين النوعية من جهة، وتوظف الإنسان أيضا من أجل الاستفادة من قدرته على التفكير والإبداع من جهة أخرى. هذا النوع من نماذج الأعمال بات ضرورة اجتماعية واقتصادية. فلابد لكل إنسان من دور في الحياة، لأن في هذا الدور مكانة له في المجتمع من جهة، وإمكانات اقتصادية توفر له العيش الكريم من جهة أخرى. فبدون ذلك تتعطل حيوية تبادل المصالح بين البشر وتغيب الدورة الاقتصادية والاجتماعية التي أطلق عليها آدم سميث Adam Smith لقب "اليد الخفية The Invisible Hand". وتعلمنا "التحولات في التاريخ" أن الإنسان كان دائما قادرا على ابتكار نماذج عمل جديدة تناسب المعرفة التي تأتي بهذه التحولات. وتسعى الخطط المستقبلية في شتى أنحاء العالم إلى مثل ذلك.
لا شك أن جهودا كبيرة تبذل في "التحول الرقمي ضمن إطار العالم السيبراني"، فالخدمات الإلكترونية باتت متاحة للجميع في مختلف المجالات، وتقدم أداء أفضل وجودة أعلى من الخدمات قبلها، ناهيك عن تقديم خدمات جديدة غير مسبوقة. لكننا نحتاج اليوم إلى مزيد من التفعيل لهذا التحول وتوجيهه نحو "العالم السوبر - سيبراني" لمواكبة العصر والاستفادة من معطيات "الذكاء الاصطناعي" في شتى المجالات. ويتطلب هذا الأمر توفير الجاهزية اللازمة لمواجهة التحدي المعرفي لهذا التحول؛ ويشمل ذلك: "مزيدا من الاهتمام بتخصصات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وتطويرا للتعليم نحو التفكير والإبداع، والبحث عن نماذج عمل جديدة تستفيد من الذكاء الاصطناعي وتحتاج إلى ذكاء الإنسان.

إنشرها