متى أعرف أن نموذج العمل بحاجة إلى تغيير؟

|

كتبت في المقالين السابقين عن مفهوم نموذج العمل وما هي الخطوات لإنشاء نموذج عمل جديد؟ وفي هذا الجزء الثالث والأخير من سلسلة نموذج العمل سأشرح متى يجب على الشركة تغيير نموذج عملها الحالي؟ قبل أن أستعرض ما هي العلامات التي تنذر أو تنبه الشركة إلى وجوب تغيير النموذج؟ أود أن أفرق بين الحاجة إلى تغيير نموذج العمل، وبين الحاجة إلى تغيير منتج أو ابتكار منتج جديد، لا يعني وجود ابتكارات في المنتجات الحاجة إلى تغيير النموذج الحالي، ما دام أن نموذج العمل يستطيع ولديه القدرة على مواصلة الابتكار في المنتجات والمنافسة فلا يلزم إلى تغيير، فمثلا شركة بروكتر آند جامبل رغم أنها تعمل في سوق تواجه التحديات على الدوام عبر تسارع الابتكارات والمنتجات الجديدة، إلا أن الشركة لم تغير نموذج عملها لسبب واحد، وهو قدرة النموذج الحالي على الابتكار والمواكبة والمبادرة في طرح منتجات ثورية في سوقها، لذلك يجب أن نفرق بين الحاجة إلى الابتكار في المنتج، وبين الحاجة إلى الابتكار في النموذج أو تغييره.
هنالك علامات أو مؤشرات مهمة يجب على الشركات الانتباه لها، فهي تعني وجوب مراجعة نموذج العمل وإعادة تصميمه، أو ابتكار نموذج جديد منفصل عن القديم، أبرز هذه المؤشرات هي:
1 - وجود فرصة لخدمة شريحة كبيرة من العملاء، لكن تحتاج إلى ابتكار نموذج عمل لكي يتم الوصول إليهم، أو وصول الخدمة أو المنتج إليهم، وغالبا يكون العائق لعدم تمكن هؤلاء العملاء من الحصول عليها هو التكلفة المادية أو التعقيدات الأخرى، ولذلك لو تم ابتكار نموذج عمل يستطيع تقديم المنتج بتكلفة مناسبة لهم فسينفتح طلب ضخم بسببها، كما فعلت شركة تاتا الهندية عندما استطاعت تقديم سيارة ذات تكلفة منخفضة جدا، حققت من خلالها فتح سوق ضخمة في الهند كان العائق الوحيد لها هو التكلفة.
2 - وجود فرصة لإيجاد منتجات جديدة كليا، بسبب وجود تقنية موجودة، بمعنى أن تكون التقنية الأساسية موجودة، لكن تقوم الشركة مثلا بربطها بمنتجات أخرى كما فعلت "أبل" مع الـ"آيبود"، وبالتالي قدمت نموذج عمل جديدا قام على تقنيات لم تخترعها هي، لكن استغلتها لتقديم منتجات جديدة، أو تقوم الشركة باستغلال تقنيات ظهرت من مختبرات الجيوش أو "ناسا" لم تكن في الأصل للاستخدام التجاري وتقوم بتقديمها كمنتجات تجارية، بعد أن استطاعت تخفيض تكلفتها وهذه حصلت كثيرا خلال القرن الماضي عبر منتجات موجودة اليوم مثل الكاميرا التي في الهواتف، وإضاءة LED، والأحذية الرياضية من "نايكي" التي قامت على تقنيات مطورة من "ناسا"، وهي اليوم تحولت إلى منتجات سوقها بمئات المليارات.
3 - الفرصة لتقديم خدمة أو منتج لحل مشكلة أو احتياج إلى العملاء لم تتم من قبل معالجتها في قطاع موجود وليس جديدا، بحيث يقوم نموذج العمل الجديد بالتركيز لتقديم هذه الخدمة، على سبيل المثال، عندما قامت شركة فيدكس بدراسة سوقها اختارت ألا تنافس في السعر أو في التسويق، بل بالتركيز على تقديم الخدمة للعملاء بشكل أسرع بكثير من أي منافس في السوق، وهو ما شكل تحديا كبيرا للشركة اضطرت معه إلى إجراء تغييرات كبيرة في طريقة العمل، وبتغيير ودمج إجراءات العمل القديمة وتعديل في الأصول، بحيث تخدم هدف تسريع تقديم الخدمة بشكل كبير وهو ما تحقق بالفعل.
4 - الحاجة إلى التصدي للتقنيات "المخربة" الجديدة والأهم الرخيصة، يجب مراقبة السوق ومتابعة المنتجات، بحيث إذا تم ملاحظة قدوم منتجات جديدة ورخيصة، التي من شأنها تغيير قواعد السوق يجب على الشركة الاستجابة وتغيير نموذج العمل، لأن المنافسة ستتغير مع الوقت بشكل جذري نحو هذه التغييرات والمنتجات، والاستمرار بالنموذج القديم معناه الموت البطيء للشركة.
5 - اشتداد المنافسة والتحول نحو ما يسمى "التسليع" Commoditization بحيث يكون السعر هو المحدد الوحيد للمنافسة، وتتساوى المميزات والخدمات، هنا يجب التوقف وإعادة النظر في نموذج العمل والتفكير نحو ما الذي يحتاج إليه العميل ولا يوجد منتج أو خدمة حالية تغطيها أو تقدمها له؟ وعليه يتم ابتكار نموذج جديد يقوم على هذه الخدمة المحسنة أو المتميزة عن السابق.
هذه هي نماذج للحالات التي يجب على الشركات إعادة النظر في نماذج عملها الحالية، لكن يجب أولا وقبل إعادة ابتكار نموذج العمل التأكد من أن السوق، التي تستهدفها عملية إعادة الابتكار كبيرة للحجم الذي يستحق المحاولة، فليس كل سوق جديدة مناسبة تستحق المغامرة بتجربة ابتكار نموذج العمل، وكذلك من المهم التحقق من أن نموذج العمل الجديد ليس فقط جديدا للشركة بل، إلى حد ما، جديدا على السوق، هذا يحسن كثيرا من "فرص" نجاح النموذج والابتكار، حتى لا يكون خسارة أموال ووقت على الشركة بمغامرة غير مجدية.
ولكي تستطيع الشركة تقييم مدى جدوى إعادة ابتكار نموذج العمل على المسؤولين، يجب طرح هذه الأسئلة:
هل نستطيع تحقيق المهمة بالتركيز على إيجاد قيمة مقدمة للعميل؟
هل نستطيع تصميم نموذج بحيث تعمل كل العناصر الأربعة "القيمة للعميل، ومعادلة الربح، والأصول، والإجراءات والسياسات" مع بعضها بعضا لتحقيق المهمة بطريقة عالية الكفاءة؟
هل نستطيع إيجاد نموذج عمل جديد غير مقيد ولا يتأثر ولا يتم إعاقته من نظام العمل الحالي؟
هل نموذج العمل الجديد سوف يخرب ويقلق المنافسين؟
إجابة هذه الأسئلة ستساعد، وبلا شك، الشركة على معرفة جدوى الخوض في المغامرة، وفي النهاية لا يعني بالضرورة أن إيجاد نموذج عمل جديد سينهي نموذج عمل الشركة القديم، فقد تستطيع الشركة البدء بنموذج العمل الجديد بشكل منفصل تماما عن القديم حتى لا يتقاطع عمل الاثنين، ولا أن يقضي القديم على الجديد وهو في بدايته، وفي الوقت نفسه يستطيع النموذج القديم الاستمرار طالما أنه مربح ويحقق معنى الاستدامة.

إنشرها