المشراق

قصة «الأغاني» أعظم كتب الأدب العربي

يحتل كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (284– 362هـ) منزلة كبيرة للغاية بين كتب التراث العربي والإنساني، وهو من الكتب التي أخذت طابع العالمية، وترجمت نصوص منه وكتبت دراسات عنه بعدة لغات. ولا غنى لأي باحث في التراث والأدب عنه. والحديث اليوم عن هذا الكتاب ومؤلفه وما دار حولهما.

المؤلف:
تجمع المصادر على أن أبا الفرج الأصفهاني كان باقعة في معرفة الأخبار والأشعار والأنساب والتواريخ، وبحرا من بحور المعرفة. إلا أن البعض يحاول التشكيك في صدق روايته، ويتهمونه بالكذب، وعلى الرغم من مرور أكثر من ألف سنة على هذا الاتهام، إلا أنه لم يستطع أحد إثبات صحة ذلك.
ترجم شمس الدين الذهبي في "سير أعلام النبلاء" لصاحب "الأغاني" فكان مما قال: "العلامة الإخباري أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد القرشي الأموي الأصبهاني الكاتب، مصنف كتاب الأغاني. يذكر أنه من ذرية الخليفة هشام بن عبد الملك. قاله محمد بن إسحاق النديم، بل الصواب أنه من ولد مروان الحمار. كان بحرا في نقل الآداب.. وكان بصيرا بالأنساب وأيام العرب، جيد الشعر. قال أبو علي التنوخي: كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأخبار والأغاني والمسندات والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ اللغة والنحو والمغازي. وله تصانيف عديدة، بعثها إلى صاحب الأندلس الأموي سرا، وجاءه الإنعام. وله نسب عبد شمس، ونسب بني شيبان، ونسب آل المهلب، جمعه للوزير المهلبي، وكان ملازمه، وله مقاتل الطالبيين، وكتاب أيام العرب، في خمسة أسفار. والعجب أنه أموي شيعي. قال ابن أبي الفوارس: خلط قبل موته. قلت: لا بأس به. وكان وسخا زريا، وكانوا يتقون هجاءه.. مات في ذي الحجة سنة ست وخمسين وثلاثمائة وله اثنتان وسبعون سنة". وفي كتاب "تاريخ الإسلام" يقول الذهبي: "رأيت شيخنا ابن تيمية يضعفه ويتهمه في نقله ويستهول ما يأتي به، وما علمت فيه جرحا إلا قول ابن أبي الفوارس: خلط قبل أن يموت وقد أثنى على كتابه الأغاني جماعة من جلة الأدباء". وفي كتاب "ميزان الاعتدال" يقول الذهبي عنه: "كان إليه المنتهى في معرفة الأخبار وأيام الناس، والشعر والغناء والمحاضرات، يأتي بأعاجيب يحدثنا وأخبرنا. وكان طلبه في حدود الـ300، فكتب ما لا يوصف كثرة حتى لقد اتهم. والظاهر أنه صدوق". فالذهبي وهو أحد علماء الجرح والتعديل يرى أن الأصفهاني صدوق في روايته، لا بأس به، أي أن روايته مقبولة، ولا يكذب، ولا يعلم فيه جرحا يثلب روايته سوى رواية واحدة تقول إنه اختلط قبل أن يموت. أما ابن الجوزي العلامة الشهير فقد أساء القول في الأصفهاني؛ فقال عنه "ومثله لا يوثق بروايته، فإنه يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل قبيح ومنكر". وعلى أن ما ذكره ابن الجوزي صحيح إلا أن ذلك لا يقدح في عدالة أبي الفرج الأصفهاني، ولا صدق روايته، فكتب التراث والأدب التي ألفها العلماء الأتقياء الثقات مليئة بروايات فيها "كل قبيح ومنكر"، وناقل الكفر ليس بكافر.

قصة الكتاب:
يروى أن الأصفهاني مكث 50 سنة في تأليف هذا الكتاب، ولذلك لا عجب إذا ما قال عنه ابن خلدون: "وقد ألف القاضي أبو الفرج الأصبهاني وهو من هو، كتابه في الأغاني، جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم. وجعل مبناه على الغناء في المائة صوت التي اختارها المغنون للرشيد، فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه. ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم، في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها، وأنى له بها". وقال ياقوت الحموي عنه: "لعمري إن هذا الكتاب لجليل القدر، شائع الذكر، جم الفوائد، عظيم العلم، جامع بين الجد البحت والهزل النحت، وقد تأملت هذا الكتاب وعنيت به، وطالعته مرارا"، وذكر حاجي خليفة في "كشف الظنون" أنه "كتاب لم يؤلف مثله اتفاقا". وبالإجمال فإن الأدباء والنقاد يتفقون على أن كتاب الأغاني أشهر دواوين الأدب العربي وأضخمها، وأجلها، وأنه لم يعمل في بابه مثله. وقد أهداه الأصفهاني لسيف الدولة الحمداني، كما أهدى نسخة أخرى منه إلى الحكم المستنصر بالله الخليفة الأموي في الأندلس.
وعن أولى طبعات الكتاب يذكر زهير ظاظا أنه طبع أول مرة ببولاق في القاهرة سنة 1285هـ في 20 جزءا، ثم أكمله رودولف برونو بطبعه الجزء الـ 21 في ليدن بهولندا سنة 1306هـ/ 1888م. ووضع له المستشرق الإيطالي جويدي فهرسا أبجديا مطولا بالفرنسية سنة 1895م يعرف بـ(جداول الأغاني الكبير) أحصى فيه أسماء 1150 شاعرا، ورد ذكرهم في الكتاب. وموضوعه الحديث عن الشعر العربي الذي غناه المغنون، منذ بدء الغناء العربي وحتى عصره، مع نسبة كل شعر إلى صاحبه، وذكر نبذ من طرائف أخباره، وتسمية واضع اللحن، وطرق الإيقاع، والأصبع الذي ينسب إليه، ولون الطريقة، ونوع الصوت، وكل ما يتصل بذلك، ثم ميز مائة صوت كانت قد جمعت لهارون الرشيد وعرفت بالمائة المختارة، وافتتح كتابه بالكلام عنها وعن ثلاث أغان اختيرت من المائة. وذكر من سبقه إلى التأليف في الأغاني، كيحيى المكي وإسحق الموصلي ودنانير وبذل. وترجم فيه لـ426 علما من أعلام الشعر والغناء، أتى الحمودي وسلوم على ترتيبها وتنسيقها في كتابهما: "شخصيات كتاب الأغاني". وجمع الدكتور حسن محسن الألفاظ التي فسرها أبو الفرج في كتاب: "معجم الألفاظ المفسرة في كتاب الأغاني".. ونبه السيد أحمد صقر في مقدمة نشرته لـ"مقاتل الطالبيين" إلى أن "الأغاني" لم يطبع كاملا، بل سقطت من طبعته تراجم برمتها مثل ترجمة صريع الغواني وهي 34 صفحة، نقلها ناشر ديوانه عن الأغاني. (ليدن 1875م). ومما ألف فيه: (دراسة كتاب الأغاني) للدكتور داود سلو، تضمن معلومات مهمة حول اختلاف نسخ الكتاب، كنسخة مكتبة جوتة بألمانيا، وفيها ترجمة لأبي نواس، خلافا للنسخ المطبوعة. ولابن منظور صاحب اللسان كتاب مختار الأغاني في الأخبار والتهاني، اختصر به كتاب الأغاني، وقد طبع هذا المختصر في ثمانية أجزاء، وفي الجزء الثالث منه ترجمة موسعة لأبي نواس، تضمنت أخبارا وأشعارا لأبي نواس، لا تجدهما في الأصل، وذلك أن لابن منظور كتابا مفردا لأخبار أبي نواس، وهو مطبوع. وانظر "دراسة الأغاني" للمرحوم شفيق جبري. و"صاحب الأغاني" للدكتور خلف الله. و"السيف اليماني في نحر الأصفهاني" لوليد الأعظمي. و"مواطن الخلل والاضطراب في كتاب الأغاني" محمد خير شيخ موسى.. و"رسالة ابن المنجم في الموسيقى، وكشف رموز كتاب الأغاني" لأبي أحمد يحيى بن على بن المنجم ت 300هـ. والكتب والرسائل التي ألفت وتدور حول كتاب الأغاني كثيرة جدا وبلغات مختلفة، وما ذكره الباحث ظاظا هو جزء يسير منها. فمن أشهر مختصراته كتاب "تجريد الأغاني من ذكر المثالث والمثاني" لابن واصل الحموي (697هـ)، وقد جرّده من الأغاني والإيقاعات والأسانيد، وكتاب "إدراك الأماني من كتاب الأغاني"، وضعه عبد الرحمن السلاوي بتوجيه من السلطان المغربي محمد بن عبد الله العلوي.

"السيف اليماني":
ألف الشاعر وليد الأعظمي كتاب "السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني"، وصدرت طبعته الأولى عام 1408هـ، وقال في خاتمة كتابه: "بعد هذه الجولة الواسعة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والوقوف عند أخباره ومناقشتها والتعليق عليها أرجو أن يكون القارئ الكريم قد تبين مقاصد هذا الشعوبي الحاقد اللئيم، وقد غضضت النظر وصرفت القلم عن أخبار فظيعة وحكايات شنيعة لا يكتبها أشد الناس عداوة وبغضا للعرب والمسلمين، فقد أتهم كثيرا من أعلامهم..، وألصق بهم السخائم من ذميم الخصال، وقبيح الفعال، متسترا بظلال الأدب والسمر، والمذاكرة والمؤانسة كأن ذلك لا يحصل إلا بشتم سلف هذه الأمة المجيدة، في تأريخها وخلقها". ومجمل كتاب الأعظمي هذا هو اتهامات بلا دليل يلصقها بالأصفهاني والأغاني. والكتاب ضعيف في مبناه ومحتواه، لم يقم على منهج واضح، ولا دراسة متجردة، ويدل على عدم فهم صاحبه لمنهج كتاب الأغاني، وأمثاله من العلماء الذين ألفوا كتبا موسوعية في تلك المدة. ولو لم يؤلفه صاحبه لكان خيرا له.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق