السؤال منطلق المعرفة

|

الفضول، وحب الاطلاع، والتعرف على ماهية الأشياء خاصية منحها الله البشر؛ لتوسيع معرفتهم، ولاكتساب الخبرات؛ لتصلب أعوادهم، ويخوضوا الحياة، ويمارسوا أدوارهم بكفاءة، واقتدار؛ ذلك أن مخزون المعرفة، والخبرة يمثل الطاقة التي تعين الفرد على أداء مهماته، ويأخذ الفضول صورا عدة، وذلك بتوظيف الحواس من بصر، وسمع، وشم، وذوق، ولمس، كإمعان النظر في الشيء لمعرفة خواصه، وتحسس الأشياء باليد لمعرفة طبيعتها من حيث الخشونة، والليونة، وكذلك شم المواد لمعرفة طيبها من خبيثها، وتذوق الأشياء لتمييز حلوها من مرها، وإرهاف السمع لاكتشاف الندي من الأصوات، والشجي، والحزين، والموحش وغيرها.
في مرحلة الطفولة المبكرة نلاحظ كثرة ميل الطفل إلى وضع كل ما تطوله يده في فمه؛ ليس بهدف إشباع الجوع لكن بهدف التعرف عليه، والوقوف على خصائصه، حتى مع خطورة بعض الأشياء لعدم تمييزه بين النافع، والضار، وكأن في ذهنه سؤالا: "ما هذا الشيء؟"، وبهدف التعرف عليه يسرع لوضعه في الفم، حتى يتطور بعد ذلك ليستخدم جميع الحواس الأخرى، وهكذا يكون التدرج عبر مراحل النمو ليصل إلى مرحلة النضج نتيجة تراكم الخبرات، وتصنيف الأشياء، حسب مجموعات بما يجمع بينها من خواص. يمثل السؤال أمرا جوهريا في اكتساب المعرفة، واكتشاف القوانين، والسنن الكونية، والبشرية؛ لتفسير الغامض، واكتشاف المجهول، ولذا نجد السؤال يلازم الإنسان منذ طفولته، حتى آخر مراحل عمره، حتى إن الطفل تكثر أسئلته، ويلح في الحصول على إجابات بشأنها، سواء ما هو في البيئة، والطبيعة، أو ما وراءها، والمجردات؛ لما يجده من إلحاح داخله للوصول إلى إجابة شافية. وقد أولى القرآن الكريم أهمية واضحة للسؤال من خلال عرض مواقف حضر فيها السؤال لأقوام، وأنبياء كما في قصة أهل الكهف "وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم"، وذلك ظنا منهم أنهم لا يزالون في العصر نفسه الذي هربوا فيه إلى الكهف؛ تجنبا لكفر أهله.
قصة النبي إبراهيم -عليه السلام- مع الكواكب، تجسد الحاجة إلى الإجابة عن تساؤل قد يدور في الخلد، كما أن سؤاله لله: "وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي"، يمثل حاجة ملحة في ذهنه إلى مزيد من المعرفة الإيمانية.
بنو إسرائيل، وبهدف المحاججة، والبحث عن ذرائع لعدم تنفيذ الأمر الإلهي بذبح البقرة ماذا فعلوا مع موسى عليه السلام؟ "قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها.."، "قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا.."، السؤال ليس بالضرورة لمزيد معرفة، وكشف الغموض، بل يستخدم للتسويف، والتهرب من أداء الواجب، أو المطلوب بادعاء الجهل بشأن المطلوب، وهذا ما نشاهده في الحياة الواقعية، حيث يتنصل البعض من أداء الواجب بطرح كثير من الأسئلة لإظهار نفسه بمظهر عدم الفاهم للمطلوب، وعدم توافر المهارات لإنجازه.
النبي موسى عليه السلام، وقصته مع الخضر، حين التقاه، وطلب منه اتباعه ليستفيد مما عنده من حكمة، واشترط عليه الخضر عدم سؤاله عن أي شيء قبل أن يخبره عنه، لكن النبي موسى رغم التزامه بعدم السؤال خالف ذلك؛ لما رأى خرق السفينة، وقتل الصبي، وإقامة الجدار؛ لعدم إلمامه بالسبب، وسبب هذا التصرف: الطبيعة البشرية الباحثة عن الإجابة عما يخفى علينا، ونجهله؛ رغم تنبيه الخضر له في كل مرة يطرح فيها السؤال الاستنكاري.
الإجابة عن السؤال حاجة لابد من تلبيتها لقيمتها في سعة المعرفة، والنمو العقلي السليم المحقق للاتزان، وعدم التشتت، والتيهان، خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه مصادر المعرفة، مع عدم صحة المعلومة، ودقتها في كثير من الأحيان ومع التباس الأمر، وضبابيته؛ ما يستوجب على الوالدين، والمعلمين، والأساتذة في الجامعات ليس الإجابة عن الأسئلة فقط، بل التشجيع على طرح مزيد منها؛ فلولا طرح نيوتن لسؤال لماذا تسقط التفاحة من الشجرة؟ لما تم اكتشاف قانون الجاذبية، ولما طارت الطائرات، وانطلقت الصواريخ، والمراكب في الفضاء للإجابة عن سؤال ماذا يوجد في هذا الكون الفسيح؟
طرحت الموضوع لأن البعض يضيقون ذرعا بالأسئلة ويقمعون من يسأل، وهم بذلك يقتلون العقل، ويؤصلون نزعة التلقي لا غير، وهذا ما ذكره لي طالب حوّل لجامعة الملك سعود من جامعة أخرى، إذ اضطر للتحويل لحالة القمع والتوبيخ لطارح السؤال؛ ما أشعره- حسب قوله- بخطورة ضمور عقله فيما لو استمر في تلك البيئة.

إنشرها