الذكاء الاصطناعي .. ومنظومة التحول الرقمي «السوبر - سيبراني»

|

يحمل هذا العنوان في كلماته مفاهيم متعددة، لكنها متكاملة في طرح قضية مستقبلية مهمة، تحيط بالإنسان أينما كان، لتؤثر فيه وتتأثر به. ولعل كلمة "منظومة" Ecosystem هي الكلمة الأكثر تشعبا في مضمونها بين كلمات العنوان. فهي تعني مجموعة من العناصر الحية التي تتفاعل في نشاطاتها حول "قضية" مطروحة ضمن بيئة داخلية تنظم هذه التفاعلات وتؤثر في توجيهها. ولهذه المجموعة أيضا بيئة خارجية، ربما تشمل منظومات وعناصر حية أخرى، تتفاعل مع هذه المنظومة في تأثيرات متبادلة بشأن القضية المطروحة. وقد تكون المنظومة جزءا من منظومة أخرى أكبر منها، كما قد يكون لها منظومات تتبعها وترتبط بها.
قضية منظومتنا في هذا المقال هي "التحول" Transformation، وبالذات "الرقمي" Digital. كلمة "التحول" تعني التغيير، بل التغيير الذي لا يأتي محدودا، بل غالبا ما يكون شاملا. وقد كانت "المعرفة" التي يكتشفها الإنسان، ويبدع ويبتكر في مجالاتها المختلفة، في موقع "قيادة التحولات" وتمكينها عبر العصور. من أمثلة ذلك "الآلة البخارية" التي أعطت تحولا كبيرا في حياة الإنسان، حيث كانت وسيلة لدوران المصانع وحركة القطارات؛ وكذلك "السيارة" التي أعادت بناء معالم خرائط الأوطان حول العالم. وجاءت أنظمة الاتصالات، وظهر الحاسوب وتطورت شبكاته، وغزت إمكاناته مختلف الآلات وشتى الأعمال، وانطلقت "الإنترنت"، وتفعلت النشاطات المعرفية، ليتكون بذلك "العالم السيبراني" Cyberworld الذي بات يُقدم إسهاما كبيرا في حوكمة العالم وإدارة شؤونه. هكذا وصل العالم إلى "التحول الرقمي" الذي ينقل الإنسان إلى "عصر جديد".
لم تكتف التقنية الرقمية بكل ما سبق، بل سعت أيضا إلى محاولة "بناء ذكاء الإنسان في الحاسوب"، ونقل هذا الذكاء إلى كل آلة في شتى المجالات لتمكينها من تنفيذ مختلف الأعمال ذاتيا، دون تدخل الإنسان أو بحد أدنى من هذا التدخل سواء عن قرب أو بعد. ويضاف إلى ذلك، السعي إلى استغلال ميزات التقنية الرقمية في تعزيز هذا الذكاء ليتفوق في كثير من الحالات الخاصة على إمكانات الإنسان ذاته. وتشمل هذه الميزات: سرعة التقنية الرقمية في معالجة المعلومات ونقلها عبر المسافات؛ وحجم المعلومات الكبير الذي تستطيع حفظه؛ وعدم خضوعها للكلل والملل عند أداء الأعمال لساعات طويلة في شتى المجالات. هكذا برز "الذكاء الاصطناعي" Artificial Intelligence الذي يحمل مُعطيات جديدة غير مسبوقة "للتحول الرقمي"، تزيد من إمكانات "عالمه السيبراني"، وتجعله متفوقا على ما كان عليه، ليصبح بذلك "العالم السوبر-سيبراني" Super-Cybernetic World الذي نراه قادما إلينا بخطى واثقة وسريعة.
لعلنا، بعد ما تقدم نقول إن عالم اليوم أمام تحول رقمي متجدد ومثير. في هذا التحول لن تبقى الآلة أسيرة تنفيذ ما تؤمر به فقط، بل ستتمتع بالذكاء والقدرة على التفكير وتحديد مسارات العمل واتخاذ القرارات، إضافة إلى التمكن من تنفيذ هذه القرارات، واستيعاب الخبرات التي تنتج عن ذلك والاستفادة منها. ويضاف إلى ذلك أن مثل هذه الآلة الذكية لن تكون منعزلة محدودة الأبعاد في عملها، بل سيكون بإمكانها التواصل عبر الإنترنت لأداء أعمالها في إطار واسع المدى يمكن أن يمتد حول العالم. على هذا الأساس، نجد أن الاستجابة لهذا التحول الرقمي الجديد، والسعي إلى الإسهام فيه، يتطلبان النظر إليه من خلال منظار "المنظومة" التي تبحث في جميع العناصر الحية ذات العلاقة، وتهتم بتفاعلاتها، والبيئة الداخلية التي تعيش فيها، وذلك في إطار الوحدة الاستراتيجية المطروحة للتحول، والبيئة الخارجية المحيطة بها.
يمكن النظر إلى "منظومة التحول" من خلال الأبعاد الخمسة التي طرحناها في مقالات سابقة وهي: "الاستراتيجية؛ والتقنية؛ والمؤسسات؛ والإنسان؛ والبيئة" STOPE. إذا بدأنا ببعد "الاستراتيجية"، نجد أنه يهتم بالتعرف على الوضع الراهن لمكونات المنظومة بما يتضمن الأبعاد الأربعة الأخرى، في إطار الوحدة الاستراتيجية المطروحة؛ ثم بيان الوضع المنشود لهذه المكونات في المستقبل بعد سنوات، مع تحديد المسار المطلوب بين وضعي الحاضر والمستقبل. وتشمل العناصر الحية التي تعمل على ذلك: "خبراء" في التحول الرقمي، ومعطيات العالم السوبر- سيبراني، و"أصحاب القرار" الذين يملكون صلاحيات التوجيه لتنفيذ الاستراتيجية المطلوبة، إضافة إلى "أصحاب العلاقة" المؤثرين والمتأثرين بالتحول.
إذا انتقلنا إلى بعدي "التقنية والمؤسسات"، نجد أنهما يشملان المعرفة من جهة، والعناصر الحية المرتبطة بها من جهة أخرى. تشمل المعرفة المُستهدفة: "المعرفة العلمية في مجالات التقنية الرقمية"، بما في ذلك "الذكاء الاصطناعي"، ولكن دون إهمال المعرفة المكملة التي تتضمن النواحي الاقتصادية والاجتماعية. وتشمل العناصر الحية الرئيسة لهذين البعدين: مؤسسات معرفية كالجامعات ومراكز البحوث وما يرتبط بها؛ ومؤسسات اقتصادية إنتاجية وخدمية في مجالات التقنية الرقمية ومستجداتها؛ إضافة إلى جميع المؤسسات التي تستخدم التقنية الرقمية المتجددة في تحديث أعمالها وتفعيل إنتاجيتها.
يبرز دور "الإنسان" في المنظومة "كمحرك للمؤسسات" من النواحي المعرفية والاقتصادية والاجتماعية؛ كما يبرز دوره "كفرد" يسهم في "تطوير التقنية الرقمية"، وكذلك في استخدامها والاستفادة منها. ويبقى دور "البيئة" عاملا مهما في المنظومة، فلا بد من بيئة داخلية تفعل الاهتمام بالتحول الرقمي وتجدده ومستجداته، وتسعى إلى تحفيزه؛ ولا بد أيضا من الانفتاحين العلمي والتقني على العالم، فالعالم "السوبر- سيبراني" يقرع أبواب الجميع.
يعد التحول الرقمي المتجدد نحو "العالم السوبر-سيبراني" بكثير؛ يعد بأداء دور متطور غير مسبوق في الأعمال في مختلف مجالات الحياة؛ ويعد بحياة تعززها رفاهية حافلة بالخدمات التي لم يتمتع بها الإنسان من قبل. لكن ذلك لا يأتي بغير مخاطر يجب مواجهتها في إطار منظومة التحول. كثير من أعمال المؤسسات التي ينفذها الإنسان ستذهب إلى الآلة، حتى تلك التي تتطلب تبادلا للمعلومات، وقراءة لمضمونها، واستجابة لهذا المضمون، وهذا ما بدأ يحدث بالفعل. رهان الإنسان يبقى على الأعمال التي تتطلب نشاطات إدراكية ذكية تتميز بالتفكير المنطلق مع الخيال، والقادر على الإبداع والابتكار. ويتطلب ذلك مناهج جديدة في التعليم عمادها تفعيل التفكير، ونماذج جديدة للأعمال تستخدم ذكاء الآلة وتستفيد من تميز الإنسان، فهل نحن جاهزون؟

إنشرها