الشعارات وحدها لا تسد رمق الجوعى

|


تملك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم وثروات طبيعية أخرى كثيرة، ومع هذا فإنها تمر بأسوأ أزمة اقتصادية وسياسية في تاريخ البلاد منذ استقلالها، حيث يعاني جزء كبير من سكان البلاد نقص الغذاء والجوع وسوء التغذية، كما تواجه البلاد مخاطر نشوب نزاعات أهلية وتدخل خارجي. جاء هذا نتيجة لفشل واضح في السياسات الاقتصادية خلال عقدين من الزمن، عجزت فيه البلاد حتى عن تعظيم استفادتها من ثرواتها الطبيعية. ومن المحزن حقا أن الأزمة في فنزويلا لم تأت نتيجة لكارثة طبيعية أو حرب مدمرة ولا غزو خارجي ولا فقر في الموارد، بل نتيجة لسياسات اقتصادية عفا عليها الدهر.
تسجل فنزويلا مؤشرات ضعيفة جدا مقارنة بباقي دول العالم، وتعتبر في معظم الأحيان الأسوأ في أمريكا اللاتينية. وتحتل البلاد المركز الأول "الأسوأ" في مؤشر البؤس العالمي، الذي يلخص بشكل كبير معاناة السكان. وهو مؤشر بسيط يتكون من عنصرين فقط هما معدل البطالة ومعدل التضخم. وتعاني فنزويلا معدلات تضخم عالية جدا ومعدلات بطالة مرتفعة. كما تسجل البلاد مواقع متأخرة في مؤشرات المقارنة العالمية وتقبع في ذيل قائمتها، ومن تلك المؤشرات مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال، والحرية الاقتصادية، وحرية الاستثمار، وحرية التجارة، والحرية المالية. وتشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن ثمانية أعشار السكان يقبعون تحت خط الفقر، وأن نسبة كبيرة منهم لا تحصل على طعام يكفي احتياجاتهم الإنسانية. كما تعاني البلاد أزمة سكن شديدة يزيد العجز فيها على مليون وحدة سكنية. ولا يقتصر الأمر على هذا بل ترتفع في البلاد أيضا معدلات الجريمة إلى مستويات مخيفة، حيث يتعرض للقتل شخص واحد من كل 1000 من السكان سنويا بشكل تقريبي. وقد أدت هذه الظروف إلى هجرة آلاف السكان إلى الدول المجاورة طلبا للغذاء والدواء الذي لا يتوافر في البلاد.
لقد أصبحت فنزويلا مثالا بائسا للسياسات الاقتصادية الفاشلة التي أخذ كثير منها من تجارب المعسكر الاشتراكي المنهار مع انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينيات القرن الماضي. ومن أبرز تلك السياسات أنظمة تحديد الأسعار، والتحكم في أسواق العملة وتحديد معدلات صرف تقل كثيرا عن معدلات الأسواق الحرة، وتقييد حركة رؤوس الأموال. كما ازداد تدخل الحكومة والمؤسسات العامة في الأنشطة الاقتصادية الأمر الذي فاقم العجز المالي واضطر البلاد إلى تبني سياسة طباعة النقد وتمويل البنوك المركزية للعجز الحكومي. إضافة إلى ذلك تبنت الدولة سياسات أسواق العمل غير الموفقة التي تبدو ظاهريا أنها تحافظ على حق العمالة في الاحتفاظ بالوظائف، ولكنها تلغي بشكل فعلي قدرة الأعمال على خفض العمالة، وهو ما قاد إلى تردي الإنتاجية وتراجع قدرة المؤسسات على الاستمرار وأدى في النهاية لخسارة كثير من الوظائف والدخل.
استفحل الفساد بشكل كبير نتيجة لتلك السياسات، وأدى عجز القطاع الخاص عن تغطية تكاليف السلع والخدمات والقيود المفروضة على الأسعار والعملات الأجنبية الضرورية لشراء لوازم الإنتاج إلى اختفاء السلع من الأسواق بما فيها الأغذية، كما تردت الخدمات الصحية بسبب نقص الأدوية والمعدات الطبية. وقادت السياسات الاقتصادية إلى تراجع الاستثمارين المحلي والأجنبي وتوقف عجلة الإنتاج في كثير من المنشآت ما رفع معدلات البطالة. ولم يقتصر الأمر على هذا بل تراجعت قدرة البلاد على تطوير ثروتها النفطية الهائلة ولم تستطع حتى الحفاظ على معدلات إنتاجها السابقة.
رفعت الحكومة الفنزويلية كثيرا من الشعارات البراقة والمحببة للنفوس كالحرية والاستقلال والمساواة والعدالة الاجتماعية والتنمية والتطوير التقني. وتحققت بعض النجاحات في البداية، ولكن مع مرور الوقت وركوب الانتهازيين موجة الشعارات واستغلالها من قبلهم والسياسات الاقتصادية الفاشلة تدهورت الأحوال المعيشية لسكان البلاد على الرغم من امتلاكها ثروات طبيعية ضخمة. لقد أثبتت تجربة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي في النصف الثاني من القرن الـ20 فشل سياسات التخطيط المركزي والتحكم في الأسواق. ومع هذا سعى كثيرون ممن ينتسبون لليسار خصوصا في أمريكا اللاتينية إلى إعادة محاولة إنتاج سياسات مماثلة في بلدانهم ولم يتعظوا من فشل التجربة الاشتراكية. وجاءت التجربة في فنزويلا بنتائج كارثية على الشعب الفنزويلي الذي بات في أشد الحاجة إلى الغذاء والدواء وغير مكترث بالشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
يمكن من خلال قراءة تطورات الأزمة الاقتصادية الفنزويلية ودون أي تحيز لأي طرف في البلاد استنتاج أهمية مراجعة السياسات الاقتصادية باستمرار، ووضع مؤشرات علمية وغير متحيزة لقياس مدى نجاحها لتحديد فاعليتها. وإذا ثبت عدم قدرة السياسات على تحقيق رفاهية الشعوب فمن الأصوب مراجعتها وتعديلها وتغييرها إذا لزم الأمر للحد من النتائج الكارثية للسياسات الخاطئة. كما تثبت الأزمة الاقتصادية في تلك البلاد مجددا ضرورة قراءة التاريخ بشكل صحيح، وعدم جدوى الشعارات والضجيج الإعلامي الذي لا يوفر الحاجات الأساسية للشعوب، بل يكرس السياسات والآليات الخاطئة التي عفا عليها الدهر وقادت إلى تردي رفاهية الأمم والشعوب.

إنشرها