لماذا ألوم الإعلام العربي؟

|


سيصدر لي كتاب مهم باللغة العربية في القريب العاجل، بالتعاون مع مؤسسة إعلامية مغربية رصينة. والكتاب دراسة تحليلية في نقد الخطاب الإعلامي العربي.
وهنا لا أريد الترويج للكتاب أبدا، بل بودي أن أحذر قرائي الكرام من أن الكتاب ليس فيه أي مديح للإعلام العربي. كل فصوله تقريبا والـ 50 ألف كلمة التي يتألف منها تتناول الخطاب الإعلامي العربي من وجهة نظر تحليلية نقدية بحتة.
قد يسأل القارئ: هل وصلت الحال إلى درجة أنه لم يعد بمقدورنا رؤية جانب مستنير في الخطاب الإعلامي العربي؟
هنا لا بد أن تختلف الإجابات ووجهات النظر. لماذا؟ لأن الإعلام مرآة المجتمع، يعكس واقعه الاجتماعي. وكما يقول الفيلسوف ميشيل فوكو فإن دور الخطاب في تكوين المجتمعات البشرية والتأثير فيها لا يجوز إهماله.
والناس تستقي معلوماتها من الخطاب. الشعب الذي يقرأ الكتب، يستقي معلوماته من الكتب التي تؤثر في تكوينه الاجتماعي والثقافي. والشعب الذي يستقي معلوماته من الخطاب الإعلامي، يتأثر بالصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي التي يختارها.
في رأيي، ما يميز المجتمعات العربية دون استثناء هو أن الخطاب الإعلامي يعد مصدرا أساسيا للمعلومة بالنسبة لها. والسبب واضح. قراءة الكتب وطبع الكتب وعلى الخصوص العناوين الجديدة والكتب المترجمة متدنية في البلدان العربية بشكل كبير.
وكدليل لما أقول، سأنقل في نهاية المقال بعض الأرقام من إحصائيات "اليونسكو" (منظمة الأمم المتحدة التي تعني بشؤون التربية والثقافة)، وأركز على بلد أو بلدين وحسب. الإحصائية تعود لعامين أو أكثر، بيد أنها تلقي الضوء على أن هناك خللا في القراءة خارج نطاق الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في البلدان العربية.
وقبل ذكر هذه الأرقام، أقدم الفرضية التي تقول إن تأثير الإعلام يكون كبيرا لدى المتلقين الذين يعدونه مصدرا مهما وأساسيا للمعلومة والمعرفة؛ ويكون تأثيره أقل وطأة لدى المتلقين الذين لا يرون فيه مصدرا أساسيا للمعلومة والمعرفة.
في الدراسات الإعلامية، لدينا معايير تساعدنا في تحديد التموضع الأيديولوجي أو المنحى والنزعة اللتين تسايرهما الوسائل الإعلامية بمختلف ضروبها.
ويبدع بعض الباحثين في وضع خرائط أو مخططات تظهر ميل الوسيلة الإعلامية. وحاليا أقوم بمراجعة مخطط للإعلام الرئيس في الولايات المتحدة. هذا المخطط يظهر أن هناك وسائل في أقصى اليسار وهناك وسائل في أقصى اليمين.
ولكن هناك أيضا كثير من الوسائل الإعلامية الرئيسة في أمريكا تقع في المنتصف، أي أنها تقاوم التموضع الأيديولوجي من اليمين أو اليسار؛ بمعنى آخر تعمل ما بوسعها أن تقف في الوسط.
من الصعوبة بمكان إيجاد وسيلة إعلامية عربية تقف في المنتصف.
نعم، هناك استقطاب وتحزب وتعصب في الإعلام بصورة عامة والإعلام الأمريكي حاليا بصورة خاصة، بيد أن ظاهرة الاستقطاب مستفحلة في الخطاب الإعلامي العربي.
شخصيا لم أفلح في تخليص أي وسيلة إعلامية عربية رئيسة من التموضع الأيديولوجي، ليس الضمني أو المخفي، بل التموضع الظاهر للعيان مع تحيز وتحزب مبين قد لا يفوت أي قارئ متأن حال قراءة أول سطر في خبر ما، أو من خلال انتقاء الحدث أو طريقة معالجته والزوايا التي يتم التركيز عليها.
والظاهرة هذه تأثيرها لا يمكن إخفاؤه بالغربال. هناك استقطاب خطير في الشرق الأوسط بصورة عامة، وكباحث أعزوه إلى بذرة التحيز والتحزب الظاهرة للعيان في مجمل الإعلام العربي.
ولأن أغلب الناس في البلدان العربية يتكئ على وسائل الإعلام لاستقاء المعلومة، صار التشرذم والاقتتال والصراع والجدال العقيم جزءا من الحياة والواقع الاجتماعي.
وكما قلت لا يتجرد أي خطاب إعلامي من الاستقطاب، ولكن تأثير الاستقطاب سيكون بليغا ومدويا في مجتمع يكون فيه الإعلام المصدر الرئيس للمعلومة.
حسب بعض الباحثين، فإن نحو 80 في المائة من المعلومات يستقيها الناس في الشرق الأوسط من المواقع الإعلامية بشتى صنوفها.
وإن قارنا ذلك بدولة مثل الدانمارك لرأينا أن الناس يأخذون نحو 20 في المائة من معلوماتهم من المواقع الإعلامية بشتى صنوفها، والباقي من مصادر أخرى ولا سيما الكتب.
ودعنا نعزز ما توصلنا إليه والفرضية التي قدمناها أعلاه ببعض الأرقام عن نشر الكتب (العناوين) الجديدة في السنة الواحدة في الدانمارك، الدولة ذات نحو ستة ملايين نسمة، ومصر ذات نحو 100 مليون نسمة.
يقرأ الدانماركيون نحو 13 ألف عنوان "كتاب" جديد في السنة. والمصريون يقرأون نحو تسعة آلاف عنوان "كتاب" جديد في السنة.

إنشرها